فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 218
الرّابع: (حسنا) أي قول هو حسن في نفسه لإفراط حسنه.
المسألة الثّانية: يقال: لم خوطبوا ب (قولوا) بعد الإخبار؟
والجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّه على طريقة الالتفات، كقوله تعالى:
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ يونس: 22.
وثانيها: فيه حذف، أي قلنا لهم: قولوا.
وثانيها: الميثاق لا يكون إلّا كلاما، كأنّه قيل: قلت:
لا تعبدوا وقولوا.
المسألة الثّالثة اختلفوا في أنّ المخاطب بقوله:
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا من هو؟
فيحتمل أن يقال: إنّه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلّا اللّه، وعلى أن يقولوا للنّاس حسنا. ويحتمل أن يقال: إنّه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلّا اللّه، ثمّ قال لموسى وأمّته: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا. والكلّ ممكن بحسب اللّفظ وإن كان الأوّل أقرب، حتّى تكون القصّة قصّة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق، من كلّ الوجوه.
المسألة الرّابعة: منهم من قال: إنّما يجب القول الحسن مع المؤمنين، أمّا مع الكفّار والفسّاق فلا، والدّليل عليه وجهان:
الأوّل: أنّه يجب لعنهم وذمّهم والمحاربة معهم، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسنا.
الثّاني: قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ النّساء: 148 فأباح الجهر بالسّوء لمن ظلم، ثمّ إنّ القائلين بهذا القول منهم من زعم أنّ هذا الأمر صار منسوخا بآية القتال، ومنهم من قال: إنّه دخله التّخصيص، وعلى هذا التّقدير يحصل هاهنا احتمالان: أحدهما: أن يكون التّخصيص واقعا بحسب المخاطب، وهو أن يكون المراد: وقولوا للمؤمنين حسنا.
والثّاني: أن يقع بحسب الخطاب، وهو أن يكون المراد: قولوا للنّاس حسنا في الدّعاء إلى اللّه تعالى، وفي الأمر بالمعروف.
فعلى الوجه الأوّل يتطرّق التّخصيص إلى المخاطب دون الخطاب، وعلى الثّاني يتطرّق إلى الخطاب دون المخاطب.
وزعم أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر: أنّ هذا العموم باق على ظاهره، وأنّه لا حاجة إلى التّخصيص. وهذا هو الأقوى، والدّليل عليه أنّ موسى وهارون مع جلال منصبهما أمرا بالرّفق واللّين مع فرعون، وكذلك محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بالرّفق وترك الغلظة، وكذا قوله تعالى:
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ النّحل: 125، وقال تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ الأنعام: 108، وقوله: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا الفرقان: 72، وقوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ الأعراف: 199.
أمّا الّذي تمسّكوا به أوّلا من أنّه يجب لعنهم وذمّهم، فلا يمكنهم القول الحسن معهم.
قلنا أوّلا: لا نسلّم أنّه يجب لعنهم وسبّهم، والدّليل عليه قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.