فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 219
سلّمنا أنّه لا يجب لعنهم لكن لا نسلّم أنّ اللّعن ليس قولا حسنا، بيانه: أنّ القول الحسن ليس عبارة عن القول الّذي يشتهونه ويحبّونه، بل القول الحسن هو الّذي يحصل انتفاعهم به، ونحن إذا لعنّاهم وذممناهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح، كان ذلك المعنى نافعا في حقّهم، فكان ذلك اللّعن قولا حسنا ونافعا، كما أنّ تغليظ الوالد في القول قد يكون حسنا ونافعا، من حيث إنّه يرتدع به عن الفعل القبيح.
سلّمنا أنّ لعنهم ليس قولا حسنا، ولكن لا نسلّم أنّ وجوبه ينافي وجوب القول الحسن. بيانه: أنّه لا منافاة بين كون الشّخص مستحقّا للتّعظيم بسبب إحسانه إلينا ومستحقّا للتّحقير بسبب كفره، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون وجوب القول الحسن معهم.
وأمّا الّذي تمسّكوا به ثانيا وهو قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ النّساء: 148.
فالجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظّالم ليحترز النّاس عنه؟ وهو المراد بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم:"اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره النّاس".
المسألة الخامسة: قال أهل التّحقيق: كلام النّاس مع النّاس إمّا أن يكون في الأمور الدّينيّة، أو في الأمور الدّنيويّة.
فإن كان في الأمور الدّينيّة فإمّا أن يكون في الدّعوة إلى الإيمان وهو مع الكفّار، أو في الدّعوة إلى الطّاعة وهو مع الفاسق.
أمّا الدّعوة إلى الإيمان فلا بدّ وأن تكون بالقول الحسن، كما قال تعالى لموسى وهارون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى طه: 44 أمرهما اللّه تعالى بالرّفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون، وتمرّده وعتوّه على اللّه تعالى، وقال لمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ آل عمران: 159.
وأمّا دعوة الفسّاق فالقول الحسن فيه معتبر، قال تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ النّحل: 125، وقال: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ فصّلت:
34.وأمّا في الأمور الدّنيويّة فمن المعلوم بالضّرورة أنّه إذا أمكن التّوصّل إلى الغرض بالتّلطّف من القول لم يحسن سواه، فثبت أنّ جميع آداب الدّين والدّنيا داخلة تحت قوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا.
المسألة السّادسة: ظاهر الآية يدلّ على أنّ الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين كان واجبا عليهم في دينهم، وكذا القول الحسن للنّاس كان واجبا عليهم، لأنّ أخذ الميثاق يدلّ على الوجوب؛ وذلك لأنّ ظاهر الأمر للوجوب، ولأنّه تعالى ذمّهم على التّولّي عنه؛ وذلك يفيد الوجوب، والأمر في شرعنا أيضا كذلك من بعض الوجوه.
وروي عن ابن عبّاس أنّه قال:"إنّ الزّكاة نسخت كلّ حقّ"وهذا ضعيف لأنّه لا خلاف أنّ من اشتدّت به الحاجة وشاهدناه بهذه الصّفة، فإنّه يلزمنا التّصدّق عليه وإن لم يجب علينا الزّكاة، حتّى أنّه إن لم تندفع حاجتهم بالزّكاة كان التّصدّق واجبا، ولا شكّ في وجوب مكالمة النّاس بطريق لا يتضرّرون به. (3: 167)