فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 281
التّعليمات الإسلاميّة في شأن المسائل الاجتماعيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة، وقد تضمّنت الآية ستّة أصول مهمّة: الثّلاث الأول منها ذات طبيعة إيجابيّة ومأمور بالعمل بها، والبقيّة ذات صفة سلبيّة منهيّ عن ارتكابها.
فتقول في البدء: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى النّحل: 90، وهل يمكن تصوّر وجود قانون أوسع وأشمل من"العدل"؟!
فالعدل هو القانون الّذي تدور حول محوره جميع أنظمة الوجود، وحتّى السّماوات والأرض فهي قائمة على أساس العدل"بالعدل قامت السّماوات والأرض".
والمجتمع الإنسانيّ الّذي هو جزء صغير في كيان هذا الوجود الكبير، لا يقوى أن يخرج عن قانون العدل، ولا يمكن تصوّر مجتمع ينشد السّلام يحظى بذلك، دون أن تستند أركان حياته على أسس العدل في جميع المجالات.
ولمّا كان المعنى الواقعيّ للعدل يتجسّد في جعل كلّ شي ء في مكانه المناسب، فالانحراف والإفراط والتّفريط وتجاوز الحدّ والتّعدّي على حقوق الآخرين، ما هي إلّا صور لخلاف أصل العدل.
فالإنسان السّليم هو ذلك الّذي تعمل جميع أعضاء جسمه بالشّكل الصّحيح، بدون أيّة زيادة أو نقصان، ويحلّ المرض فيه وتتبيّن عليه علائم الضّعف والخوار بمجرّد تعطيل أحد الأعضاء، أو تقصيره في أداء وظيفته.
ويمكن تشبيه المجتمع ببدن إنسان واحد، فإنّه سيمرض ويعتلّ إن لم يراع فيه العدل. ومع ما للعدالة من قدرة وجلال وتأثير عميق في كلّ الأوقات- الطّبيعيّة والاستثنائيّة- في عمليّة بناء المجتمع السّليم، إلّا أنّها ليست العامل الوحيد الّذي يقوم بهذه المهمّة، ولذلك جاء الأمر ب (الاحسان) بعد (العدل) مباشرة، ومن غير فاصلة.
وبعبارة أوضح: قد تحصل في حياة البشريّة حالات حسّاسة لا يمكن معها حلّ المشكلات بالاستعانة بأصل العدالة فقط، وإنّما تحتاج إلى إيثار وعفو وتضحية، وذلك ما يتحقّق برعاية أصل"الإحسان".
وعلى سبيل المثال: لو أنّ عدوّا غدّارا هجم على مجتمع مّا، أو وقعت زلزلة أو فيضان أو عواصف في بعض مناطق البلاد، فهل من الممكن معالجة ذلك بالتّقسيم العادل لجميع الطّاقات والأموال، وتنفيذ سائر القوانين العاديّة؟! هنا لا بدّ من تقديم التّضحية والبذل والإيثار لكلّ من يملك القدرة الماليّة، الجسميّة، الفكريّة، لمواجهة الخطر وإزالته، وإلّا فالطّريق مهيّأ أمام العدوّ لإهلاك المجتمع كلّه، أو أنّ الحوادث الطّبيعيّة ستدمّر أكبر قدر من النّاس والممتلكات.
والأصلان يحكمان نظام بدن الإنسان أيضا بشكل طبيعيّ، ففي الأحوال العاديّة تقوم جميع الأعضاء بالتّعاضد فيما بينها، وكلّ منها يؤدّي ما عليه من وظائف بالاستعانة بما تقوم به بقيّة الأعضاء، وهذا هو أصل العدالة.
ولكن، عند ما يصاب أحد الأعضاء بجرح أو عطل يسبّب في فقدانه القدرة على أداء وظيفته، فإنّ بقيّة الأعضاء سوف لن تنساه، لأنّه توقّف عن عمله، بل تستمرّ في تغذيته ودعمه ... ، وهذا هو الإحسان.
وفي المجتمع كذلك، ينبغي للمجتمع السّليم أن يحكمه