فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 285
أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ ءٍ خَلَقَهُ السّجدة: 7.
ثانيها: الإتيان بالحسن كالإظراف والإغراب للإتيان بالظّريف والغريب، قال تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها الأنعام: 160.
ثالثها: يقال: فلان لا يحسن الكتابة ولا يحسن الفاتحة، أي لا يعلمهما.
والظّاهر أنّ الأصل في الإحسان الوجهان الأوّلان، والثّالث مأخوذ منهما، وهذا لا يفهم إلّا بقرينة الاستعمال ممّا يغلب على الظّنّ إرادة العلم.
إذا علمت هذا فنقول: يمكن حمل (الاحسان) في الموضعين على معنى متّحد من المعنيين، ويمكن حمله فيهما على معنيين مختلفين:
أمّا الأوّل فنقول: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ أي هل جزاء من أتى بالفعل الحسن إلّا أن يؤتى في مقابلته بفعل حسن، لكن الفعل الحسن من العبد ليس كلّ ما يستحسنه هو، بل الحسن هو ما استحسنه اللّه منه. فإنّ الفاسق ربّما يكون الفسق في نظره حسنا وليس بحسن بل الحسن ما طلبه اللّه منه، كذلك الحسن من اللّه هو كلّ ما يأتي به ممّا يطلبه العبد كما أتى العبد بما يطلبه اللّه تعالى منه. وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ الزّخرف: 71، وقوله تعالى:
وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ الأنبياء: 102، وقال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى يونس: 26، أي ما هو حسن عندهم.
وأمّا الثّاني فنقول: هل جزاء من أثبت الحسن في عمله في الدّنيا إلّا أن يثبت اللّه الحسن فيه وفي أحواله في الدّارين. وبالعكس هل جزاء من أثبت الحسن فينا وفي صورنا وأحوالنا إلّا أن نثبت الحسن فيه أيضا، لكن إثبات الحسن في اللّه تعالى محال، فإثبات الحسن أيضا في أنفسنا وأفعالنا، فنحسن أنفسنا بعبادة حضرة اللّه تعالى، وأفعالنا بالتّوجّه إليه، وأحوال باطننا بمعرفته تعالى، وإلى هذا رجعت الإشارة، وورد في الأخبار من حسن وجوه المؤمنين وقبح وجوه الكافرين.
وأمّا الوجه الثّالث: وهو الحمل على المعنيين، فهو أن نقول: على جزاء من أتى بالفعل الحسن إلّا أن يثبت اللّه فيه الحسن، وفي جميع أحواله، فيجعل وجهه حسنا وحاله حسنا، ثمّ فيه لطائف:
الأولى: هذه إشارة إلى رفع التّكليف عن العوامّ في الآخرة وتوجيه التّكليف على الخواصّ فيها:
أمّا الأوّل: فلأنّه تعالى لمّا قال: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ والمؤمن لا شكّ في أنّه يثاب بالجنّة، فيكون له من اللّه الإحسان جزاء له. ومن جازى عبدا على عمله لا يأمره بشكره، ولأنّ التّكليف لو بقي في الآخرة، فلو ترك العبد القيام بالتّكليف لاستحقّ العقاب، والعقاب ترك الإحسان، لأنّ العبد لمّا عبد اللّه في الدّنيا ما دام وبقي، يليق بكرمه تعالى أن يحسن إليه في الآخرة ما دام وبقي، فلا عقاب على تركه بلا تكليف.
وأمّا الثّاني: فنقول: خاصّة اللّه تعالى عبدنا اللّه تعالى في الدّنيا لنعم قد سبقت له علينا، فهذا الّذي أعطانا اللّه تعالى ابتداء نعمة وإحسان جديد، فله علينا شكره، فيقولون: الحمد للّه، ويذكرون اللّه ويثنون عليه، فيكون نفس الإحسان من اللّه تعالى في حقّهم سببا لقيامهم