فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 286
بشكره، فيعرضون هم على أنفسهم عبادته تعالى، فيكون لهم بأدنى عبادة شغل شاغل عن الحور والقصور والأكل والشّرب، فلا يأكلون ولا يشربون ولا يتنابذون ولا يلعبون، فيكون حالهم كحال الملائكة في يومنا هذا، لا يتناكحون ولا يلعبون، فلا يكون ذلك تكليفا مثل هذه التّكاليف الشّاقّة، وإنّما يكون ذلك لذّة زائدة على كلّ لذّة في غيرها.
اللّطيفة الثّانية: هذه الآية تدلّ على أنّ العبد محكم في الآخرة، كما قال تعالى: لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ يس: 57، وذلك لأنّا بيّنّا أنّ الإحسان هو الإتيان بما هو حسن عند من أتى بالإحسان. لكنّ اللّه لمّا طلب منّا العبادة طلب كما أراد، فأتى به المؤمن كما طلب منه، فصار محسنا، فهذا يقتضي أن يحسن اللّه إلى عبده ويأتي بما هو حسن عنده، وهو ما يطلبه كما يريد، فكأنّه قال: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ أي هل جزاء من أتى بما طلبته منه على حسب إرادتي إلّا أن يؤتى بما طلبه منّي على حسب إرادته. لكن الإرادة متعلّقة بالرّؤية، فيجب بحكم الوعد أن تكون هذه آية دالّة على الرّؤية التّكليفيّة.
اللّطيفة الثّالثة: هذه الآية تدلّ على أنّ كلّ ما يفرضه الإنسان من أنواع الإحسان من اللّه تعالى، فهو دون الإحسان الّذي وعد اللّه تعالى به، لأنّ الكريم إذا قال للفقير: افعل كذا ولك كذا دينارا، وقال لغيره: افعل كذا على أن أحسن إليك، يكون رجاء من لم يعيّن له أجرا أكثر من رجاء من عيّن له، هذا إذا كان الكريم في غاية الكرم ونهاية الغنى.
إذا ثبت هذا، فاللّه تعالى قال: جزاء من أحسن إليّ أن أحسن إليه بما يغبط به، وأوصل إليه فوق ما يشتهيه، فالّذي يعطي اللّه فوق ما يرجوه، وذلك على وفق كرمه وإفضاله. (29: 131)
الخازن: [نقل بعض الأقوال المتقدّمة ثمّ قال:]
وقيل: التّكليف في معنى الآية هل جزاء من أتى بالفعل الحسن إلّا أن يؤتى في مقابلته بفعل حسن، وفي الآية إشارة إلى رفع في الآخرة، لأنّ اللّه وعد المؤمنين بالإحسان وهو الجنّة، فلو بقي التّكليف في الآخرة وتركه العبد لاستحقّ العقاب على ترك العمل، والعقاب على ترك الإحسان إليه فلا تكليف. (7: 10)
أبو حيّان: [نحو الطّوسيّ وقال:]
وقرأ ابن أبي إسحاق (الّا الحسان) يعني بالحسان:
الحور العين. (8: 198)
الفيروز اباديّ: والإحسان من أفضل منازل العبوديّة، لأنّه لبّ الإيمان وروحه وكماله، وجميع المنازل منطوية فيها. قال تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:"الإحسان: أن تعبد اللّه كأنّك تراه".
وأمّا الآية فقال ابن عبّاس والمفسّرون: هل جزاء من قال:"لا إله إلّا اللّه"وعمل بما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا الجنّة؟! وقد روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قرأ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ثمّ قال:"هل تدرون ما قال ربّكم؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم. قال: يقول: هل جزاء من أنعمت عليه بالتّوحيد إلّا الجنّة"؟!. فالحديث إشارة