فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 763

102، أي بتخليته، فإنّه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر، فيكون المعنى ما كان لنفس أن تموت إلّا بإذن اللّه؛ بتخلّي اللّه بين القاتل والمقتول. ولكنّه تعالى يحفظ نبيّه، ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصدا، ليتمّ على يديه بلاغ ما أرسله به، ولا يخلّي بين أحد وبين قتله حتّى ينتهي إلى الأجل الّذي كتبه اللّه له، فلا تنكسروا بعد ذلك في غزواتكم بأن يرجف مرجف أنّ محمّدا قد قتل.

الرّابع: أن يكون"الإذن"بمعنى العلم، ومعناه أنّ نفسا لن تموت إلّا في الوقت الّذي علم اللّه موتها فيه، وإذا جاء ذلك الوقت لزم الموت، كما قال: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ الأعراف: 34.

الخامس: [و هو قول ابن عبّاس وقد سبق ذكره]

6 -وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ. آل عمران: 166

ابن عبّاس: المراد من"الإذن"قضاء اللّه بذلك وحكمه به. (الفخر الرّازيّ 9: 84)

الطّبريّ: يعني بقضائه وقدره فيكم. (4: 167)

الزّجّاج:"الإذن"هنا: العلم، وعبّر عنه به، لأنّه من مقتضياته. (أبو حيّان 3: 108)

القفّال: أي فبتخليته بينكم وبينهم، لا أنّه أراد ذلك. (القرطبيّ 4: 265)

الطّوسيّ: قيل في معناه قولان:

أحدهما: بعلم اللّه، ومنه قوله: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ البقرة: 279، معناه اعلموا.

ومنه قوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ التّوبة: 3، أي إعلام، ومنه: آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ فصّلت: 47، يعني أعلمناك.

الثّاني: أنّه بتخلية اللّه الّتي تقوم مقام الإطلاق في الفعل برفع الموانع، والتّمكين من الفعل الّذي يصحّ معه التّكليف.

ولا يجوز أن يكون المراد به بأمر اللّه، لأنّه خلاف الإجماع، لأنّ أحدا لا يقول: إنّ اللّه يأمر المشركين بقتل المؤمنين، ولا أنّه يأمر بشي ء من القبائح، ولأنّ الأمر بالقبيح قبيح لا يجوز أن يفعله اللّه تعالى.

ويمكن أن يحمل مع تسليم أنّه بأمر اللّه، بأن يكون ذلك مصروفا إلى المنهزمين المعذورين بعد إخلال من أخلّ بالشّعب، وضعفهم عن مقاومة عدوّهم، وإن حمل على الجميع أمكن أن يكون ذلك بعد تفرّقهم وتبدّد شملهم وانفساد نظامهم، لأنّ عند ذلك أذن اللّه في الرّجوع، وألّا يخاطروا بنفوسهم. [إلى أن قال:]

فإن قيل: هل يجوز أن يقول القائل: المعاصي تقع بإذن اللّه، كما قال: ما أَصابَكُمْ من إيقاع المشركين بكم باذن الله؟

قلنا: لا يجوز ذلك، لأنّ اللّه تعالى إنّما خاطبهم بذلك على وجه التّسلية للمؤمنين، فدلّ ذلك على أنّ"الإذن"المراد به التّمكين، ليتميّزوا بظهور الطّاعة منهم.

وليس كذلك قولهم: المعاصي بإذن اللّه، لأنّه لمّا عري من تلك القرينة صار بمعنى إباحة اللّه، واللّه تعالى لا يبيح المعاصي، لأنّها قبيحة، ولأنّ إباحتها تخرجها من معنى المعصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت