فهرس الكتاب

الصفحة 769 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 776

مصيبة تصيب من أصابته لأمر آخر من كثرة الأجر للصّبر، وتكفير السّيّئات لتوفية الأجر إلى غير ذلك، وما أصاب المؤمنين فمن هذا القبيل.

وأمّا ثانيا: فلأنّ ما أصاب من ساء بسوء فعله فهو لم يصب إلّا بإذن اللّه وإرادته أيضا، كما قال تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ النّساء: 78، أي إيجادا وإيصالا، فسبحان من لا يجري في ملكه إلّا ما يشاء. وكان الكفّار يقولون: لو كان ما عليه المسلمون حقّا لصانهم اللّه عن المصائب في أموالهم وأبدانهم في الدّنيا، فبيّن اللّه أنّ ذلك إنّما يصيبهم بتقديره ومشيئته.

وفي إصابتها حكمة لا يعرفها إلّا هو، منها: تحصيل اليقين بأن ليس شي ء من الأمر في يديهم، فيبرأون بذلك من حولهم وقوّتهم، إلى حول اللّه وقوّته.

ومنها: ما سبق آنفا من تكفير ذنوبهم وتكثير مثوباتهم بالصّبر عليها، والرّضى بقضاء اللّه إلى غير ذلك.

ولو لم يصب الأنبياء والأولياء محن الدّنيا وما يطرأ على الأجسام لافتتن الخلق بما ظهر على أيديهم من المعجزات والكرامات، على أنّ طريان الآلام والأوجاع على ظواهرهم لتحقّق بشريّتهم، لا على بواطنهم لتحقّق مشاهدتهم والأنس بربّهم، فكأنّهم معصومون محفوظون منها، لكون وجودها في حكم العدم، بخلاف حال الكفّار والأشرار. نسأل العفو والعافية من اللّه الغفّار.

وفي الآية إشارة إلى إصابة مصيبة النّفس الأمّارة بالاستيلاء على القلب، وإلى إصابة مصيبة القلب السّيّار بالغلبة على النّفس، فإنّهما بإذن تجلّيه القهريّ للقلب الصّافي بحسب الحكمة، أو بإذن تجلّيه اللّطفيّ الجماليّ للنّفس الجانية بحسب النّقمة. (10: 13)

الطّباطبائيّ: الإذن: الإعلام بالرّخصة وعدم المانع، ويلازم علم الآذن بما أذن فيه، وليس هو العلم كما قيل.

فظهر بما تقدّم أوّلا: أنّ إذنه تعالى في عمل سبب من الأسباب، هو التّخلية بينه وبين مسبّبيه، برفع الموانع الّتي تتخلّل بينه وبين مسبّبه، فلا تدعه يفعل فيه ما يقتضيه بسببيّته، كالنّار تقتضي إحراق القطن مثلا لو لا الفصل بينهما والرّطوبة، فرفع الفصل بينهما والرّطوبة من القطن مع العلم بذلك، إذن في عمل النّار في القطن بما تقتضيه ذاتها، أعني الإحراق.

وقد كان استعمال الإذن في العرف العامّ مختصّا بما إذا كان المأذون له من العقلاء، لمكان أخذ معنى الإعلام في مفهومه، فيقال: أذنت لفلان أن يفعل كذا، ولا يقال:

أذنت للنّار أن تحرق، ولا أذنت للفرس أن يعدو. لكنّ القرآن الكريم يستعمله فيما يعمّ العقلاء وغيرهم بالتّحليل، كقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ النّساء: 64، وقوله: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ الأعراف: 58.

ولا يبعد أن يكون هذا التّعميم مبنيّا على ما يفيده القرآن من سريان العلم والإدراك في الموجودات، كما قدّمناه في تفسير قوله: قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ ءٍ فصّلت: 21.

وكيف كان فلا يتمّ عمل من عامل ولا تأثير من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت