فهرس الكتاب

الصفحة 7691 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 478

على أنّه مبتدأ حذف خبره، لدلالة ما تقدّم عليه، أي حلّ لكم أيضا، والمراد بهنّ: الحرائر العفائف، وتخصيصهنّ بالذّكر للبعث على ما هو الأولى، لا لنفي ما عداهنّ، فإنّ نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتّفاق، وكذا نكاح غير العفائف منهنّ. وأمّا الإماء الكتابيّات فهنّ كالمسلمات عند أبي حنيفة رضى اللّه عنه، خلافا للشّافعيّ رضى اللّه عنه وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ ... أي هنّ أيضا حلّ لكم وإن كنّ حربيّات. وقال ابن عبّاس:

"لا تحلّ الحربيّات". (2: 240)

نحوه البروسويّ (2: 348) ، والآلوسيّ (6: 65) .

الطّباطبائيّ: الإتيان في متعلّق الحكم بالوصف، أعني ما في قوله: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من غير أن يقال: من اليهود والنّصارى مثلا، أو يقال: من أهل الكتاب، لا يخلو من إشعار بالعلّيّة، واللّسان لسان الامتنان، والمقام مقام التّخفيف والتّسهيل، فالمعنى: إنّا نمتنّ عليكم بالتّخفيف والتّسهيل في رفع حرمة الازدواج بين رجالكم والمحصنات من نساء أهل الكتاب، لكونهم أقرب إليكم من سائر الطّوائف غير المسلمة، وهم أوتوا الكتاب وأذعنوا بالتّوحيد والرّسالة، بخلاف المشركين والوثنيّين المنكرين للنّبوّة، ويشعر بما ذكرنا أيضا تقييد قوله: أُوتُوا الْكِتابَ بقوله: مِنْ قَبْلِكُمْ فإنّ فيه إشعارا واضحا بالخطط والمزج والتّشريك.

وكيف كان لمّا كانت الآية واقعة موقع الامتنان والتّخفيف، لم تقبل النّسخ بمثل قوله تعالى:

وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ البقرة: 221، وقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ الممتحنة:

10، وهو ظاهر.

على أنّ الآية الأولى واقعة في سورة البقرة، وهي أوّل سورة مفصّلة نزلت بالمدينة قبل المائدة، وكذا الآية الثّانية واقعة في سورة الممتحنة، وقد نزلت بالمدينة قبل الفتح، فهي أيضا قبل المائدة نزولا، ولا وجه لنسخ السّابق للّاحق مضافا إلى ما ورد: أنّ المائدة آخر ما نزلت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله فنسخت ما قبلها، ولم ينسخها شي ء.

على أنّك قد عرفت في الكلام على قوله تعالى:

وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ... في الجزء الثّاني من الكتاب: أنّ الآيتين- أعني آية البقرة وآية الممتحنة- أجنبيّتان من الدّلالة على حرمة نكاح الكتابيّة.

ولو قيل: بدلالة آية الممتحنة بوجه على التّحريم، كما يدلّ على سبق المنع الشّرعيّ ورود آية المائدة في مقام الامتنان والتّخفيف- ولا امتنان ولا تخفيف لو لم يسبق منع- كانت آية المائدة هي النّاسخة لآية الممتحنة لا بالعكس، لأنّ النّسخ شأن المتأخّر، وسيأتي في البحث الرّوائيّ كلام في الآية الثّانية.

ثمّ المراد ب (المحصنات) في الآية: العفائف، وهو أحد معاني الإحصان؛ وذلك أنّ قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يدلّ على أنّ المراد ب (المحصنات) غير ذوات الأزواج وهو ظاهر، ثمّ الجمع بين المحصنات من أهل الكتاب والمؤمنات على ما مرّ من توضيح معناها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت