المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 85
بمعنى مطلق الزّمان، والمراد به ما داموا في الدّنيا.
الأصول اللّغويّة
1 -لمادّة"أ ب د"أصلان: الأوّل: التّوحّش، والثّاني: طول المدّة. ويشتقّ من الأوّل: النّفور من الإنس، وخلوّ الدّار من أهلها، والكلمة، أو الخصلة المنفّرة، واللّفظ المبهم، أو القوافي الغريبة، والغضب، وقلّة الأرب في النّساء.
ويشتقّ من الثّاني: الخلود والقدم، وطول الغربة أو العزوبة، والإقامة بالمكان، والدّاهية، والولود من الإماء، والأتن والنّياق، والولد الّذي أتت عليه سنة.
وقد تمحّل بعضهم عند ما جعل الأصلين أصلا واحدا؛ إذ علّقوا طول المدّة بالأمن والثّبات، وجعلوا التّوحّش عارضا من عوارضها، يبرز عند انفكاك الأمن والثّبات عنها. ولا شكّ أنّ التّكلّف يبدو جليّا في تخريجهم، وأقرب منه أن يقال: الأصل: طول المدّة، والوحشة تابعة له، إذ قد يتوحّش من يمارسها، كما قد يتوحّش السّائر في طريق لا نهاية لها، ثمّ استعمل"الأبد"في اللّازم نقلا عن الأصل مجازا، ثمّ صار حقيقة.
2 -وفي الأبد قولان: أحدهما: الدّهر مطلقا؛ سواء كان جزء من الدّهر أم الدّهر جزء منه. والآخر: الدّهر الطّويل الّذي ليس بمحدود. واستدلّ من جزّأ الأبد بجمعه، واستدلّ من لم يجزّئه بعدم وروده مجزّأ؛ فلا يقال:
أبد كذا، كما يقال: زمان كذا. ومن قال بعدم محدوديّته جعله مقابل"الأزل".
3 -ونقل الرّاغب عن قوم لم يسمّهم أنّهم قالوا: إنّ آبادا- جمع أبد- مولّد؛ وكأنّه تبنّى هذا القول، على الرّغم من تعارضه مع ما قال به المتقدّمون، وما ورد في الشّعر الجاهليّ، كما أشرنا في النّصوص. ولعلّ الرّاغب هو مبتدع هذه القالة، ليقوّي مذهبه القائل بعدم جواز تجزئة الأبد، ولعلّ مردّ هذا الزّعم إلى كون آباد يوافق إحدى مفردات اللّغة الفارسيّة لفظا.
ولا يصحّ التّذرّع بهذا السّبب وإلّا كان تعسّفا في اللّغة؛ لاحتمال توافق المفردات في الألسن المختلفة لفظا وتباينها معنى، كما في لفظ آبار جمع بئر، فهو يوافق مفردة في الفارسيّة في اللّفظ دون المعنى. [لاحظ دهخدا]
4 -ويترادف"الأبد"مع ألفاظ كثيرة، أقربها إلى معناه: الدّهر والزّمان والدّوام والخلود والسّرمد والأمد. ولكنّه يفترق عنها جميعا بكونه زمانا معلوم الحدّ على الصّحيح، وامتدادا للأزل. فالدّهر أوقات متوالية مختلفة غير متناهية، والزّمان أوقات متوالية مختلفة أو غير مختلفة، والدّوام استمرار البقاء في جميع الأوقات، يقال: إنّ اللّه لم يزل دائما، ولا يزال دائما، والخلود استمرار البقاء من وقت مبتدإ، لا يقال: إنّ اللّه خالد، والسّرمد اتّباع الشّي ء الشّي ء دون فصل، يقال: شربته سرمدا مبرّدا، والأمد مدّة مجهولة عند الإطلاق، معلومة عند التّقييد، يقال: أمد كذا كما يقال: زمان كذا.
وقد عدّ الجزائريّ لفظي"الأبديّ"و"الأزليّ"من المرادفات، وأثبتها في جملة الألفاظ ذات الفروق في اللّغة. وهما ليسا كذلك؛ لأنّهما من النّقائض والأضداد، كالعلم والجهل وقطّ وأبدا.