فهرس الكتاب

الصفحة 7721 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 508

وقراءة في قيام اللّيل، بالأشياء المعدودة. وبهذا فسّر الحسن وسفيان، ومنه قوله في الحديث:"استقيموا ولن تحصوا"أي ولن تطيقوا، تمام الاستقامة، أي فخذوا منها بقدر الطّاقة.

و (ان) مخفّفة من الثّقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف وخبره الجملة، وقد وقع الفصل بين (ان) وخبرها بحرف النّفي، لكون الخبر فعلا غير دعاء ولا جامد حسب المتّبع في الاستعمال الفصيح. و (ان) وجملتها سادّة مسدّ مفعولي (علم) إذ تقديره علم عدم إحصائكموه واقعا.

الطّباطبائيّ: الإحصاء: تحصيل مقدار الشّي ء وعدده والإحاطة به، وضمير لَنْ تُحْصُوهُ للتّقدير، أو للقيام مقدار ثلث اللّيل أو نصفه أو أدنى من ثلثيه، وإحصاء ذلك مع اختلاف اللّيالي طولا وقصرا في أيّام السّنة ممّا لا يتيسّر لعامّة المكلّفين، ويشتدّ عسرا لمن نام أوّل اللّيل وأراد القيام بأحد المقادير الثّلاثة، دون أنّ يحتاط بقيام جميع اللّيل أو ما في حكمه.

فالمراد بقوله: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ علمه تعالى بعدم تيسّر إحصاء المقدار الّذي أمروا بقيامه من اللّيل، لعامّة المكلّفين. (20: 75)

عبد الكريم الخطيب: أي علم اللّه سبحانه وتعالى أنّكم لن تحصوا أوصاف الثّناء عليه سبحانه وتعالى، مهما طال قيامكم باللّيل. وهذا ما يشير إليه الرّسول الكريم في قوله، مناجيا ربّه:"سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

وهذا الّذي ذهبنا إليه، هو المعنى الّذي نستريح له، ولم نجد أحدا من المفسّرين قد ذهب إلى هذا الرّأي، وإنّما كانت آراؤهم كلّها تدور حول معنى واحد، هو أنّ اللّه سبحانه علم أنّكم لن تقدروا على إحصاء اللّيل وتحديد مواقيته، ومعرفة متى يكون ثلث اللّيل أو نصفه، أو ثلثاه؟ أمّا النّهار فإنّه من الممكن ضبط أجزائه، ولهذا عاد الضّمير في (تحصوه) على اللّيل وحده، دون أن يعود عليه هو والنّهار. هكذا يقولون.

وهذا المعنى الّذي يذهب إلى معنى العجز عن إحصاء أجزاء اللّيل، وإن كان له مفهوم وقت نزول القرآن؛ حيث لم تكن هناك المقاييس الزّمنيّة المعروفة اليوم، كالسّاعة ونحوها، فإنّ هذا المفهوم الآن غير واقع، والقرآن الكريم حكم قاض بالحقّ المطلق وشاهد ناطق بالصّدق المصفّى، أبد الدّهر لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فصّلت: 42.

ثم إنّ إحصاء اللّيل، وتقدير وقته، من الممكن أن يتحقّق حتّى في زمن نزول هذه الآية، وذلك برصد النّجوم، وتحديد منازلها، وقد كان العرب على علم بهذا وأنّ نظرة من أحدهم إلى مواقع النّجوم في السّماء كان يعرف بها أين هو من اللّيل؟ وما ذا ذهب منه؟ وما ذا بقي؟

ومن إعجاز القرآن الكريم أنّه يتّسع لمفاهيم الحياة كلّها في كلّ زمان ومكان، وعلى هذا يمكن أن يتوارد على قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أكثر من مفهوم، وكلّ مفهوم، منها يسدّ حاجة النّاس في عصرهم، وما بلغته مداركهم من العلم.

وعلى هذا يكون قوله تعالى: وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خبرا عن اللّه سبحانه وتعالى، ويكون قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت