المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 519
أمره وتدبيره وقهره وقدرته، فهو محيط بهم، يعلم مجمل أحوالهم وتفاصيلها، لا يفوته شي ء من أحوالهم، حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يخرجون عن حوزة علمه وقبضة قدرته.
وقال الطّباطبائيّ:"و المراد بإحصائهم وعدّهم:"
تثبيت العبوديّة لهم، فإنّ العبيد إنّما تتعيّن لهم أرزاقهم وتتبيّن وظائفهم، والأمور الّتي يستعملون فيها بعد الإحصاء، وعدّهم وثبتهم في ديوان العبيد، وبه تسجّل عليهم العبوديّة"وهذا يربط بينها وبين ما قبلها أي آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا."
وقريب منه قول فضل اللّه:"فهو الّذي خلقهم، وهو الّذي يرزقهم وهو المحيط بهم، ولذلك فقد أحصى عددهم ووظائفهم وأمكنتهم في مظهر من مظاهر قوّته أمام مظهر خضوعهم وضعفهم".
والحاصل من جميعها أنّ الإحصاء والعدّ كناية عن إحاطته تعالى بهم علما وقدرة، وعبوديّتهم له كناية عن كونهم مقهورين له تعالى، وإلّا فليس هناك إحصاء وعبوديّة بمعناهما الشّائع.
ثالثا: في (2) وَأَحْصى كُلَّ شَيْ ءٍ عَدَدًا أيضا بحوث:
1 -هي أيضا في سياق إحاطة علمه تعالى لكن بخصوص الرّسل عليهم السّلام، كما قال: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا* لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْ ءٍ عَدَدًا أي يظهر على غيبه من ارتضى من رسول ويجعل له رصدا حفاظا على إبلاغهم رسالات اللّه وإحاطة بحالهم، كأنّه أحصى كلّ شي ء منهم.
2 -جمع فيها أيضا بين الإحصاء والعدّ، فأتى بالفعل من"الإحصاء"، وبالمصدر من"العدّ"كأنّه قال: أحصى كلّ شي ء إحصاء وعدّه عدّا. وعليه ف (عددا) مفعول مطلق ل (احصى) من غير لفظه، بدلا من الإتيان بفعلين ومفعولين. وهذا أحسن ممّا قالوا فيه: إنّه تمييز، أي أحصى كلّ شي ء عددا، أو حال أي أحصاه معدودا، أو صفة لكلّ شي ء، أي أحصى كلّ شي ء معدود، أو منقولا عن المفعول به، أي أحصى عدد كلّ شي ء، نظير وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا القمر: 12، أي فجّرنا عيون الأرض.
وعلى كلّ حال ف (عددا) متعلّق ب (كلّ شى ء) و (احصى) دون"يسلك"و (ابلغوا) كما جاء في نصّ الآلوسيّ، فلاحظ.
3 -والإحصاء والعدّ فيها أيضا كناية عن إحاطة علمه وقدرته على كلّ شي ء، ونعم ما قال الطّوسيّ:"معناه أنّه يعلم الأشياء مفصّلة بمنزلة من يحصيها ليعلمها كذلك".
فهذا تعميم بعد تخصيص؛ حيث خصّ أوّلا إحاطته بما لديهم، ثمّ عمّم علمه فهو بمنزلة العلّة له، أي هو محيط بهم، لأنّه عالم بكلّ شي ء، كأنّه أحصاهم وعدّهم عدّا.
والمفعول المطلق (عددا) هنا للتّأكيد.
4 -وقد فرّق الجبّائيّ بين"أحصى"و"علم"بأنّ"أحصى"فعل فلا يشمل ما لا يتناهى، والعلم يشمل ما لا يتناهى، قال:"فإذا لم يجز أن يفعل ما لا يتناهى لم يجز"