المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 520
أن يقال: يحصي ما لا يتناهى."وفيه أنّ الإحصاء- كما سبق- كناية عن العلم، وتأكيد أنّه يعلم الأشياء كأنّه عدّها، ويشهد به سياق وَأَحْصى كُلَّ شَيْ ءٍ عَدَدًا."
5 -وفرّق الفخر الرّازيّ بين أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ، وبين أَحْصى كُلَّ شَيْ ءٍ عَدَدًا، بأنّ الأوّل دلّ على علمه تعالى بالجزئيّات، والثّاني على علمه بجميع الموجودات. ولا وجه لما ذكر بل الفرق هو العموم والخصوص كما سبق.
ثمّ إنّه طرح سؤالا وهو أنّ إحصاء العدد إنّما يكون في المتناهي و (كلّ شى ء) يدلّ على كونه غير متناه فلزم التّناقض؟
وأجاب بأنّ (احصى) يدلّ على المتناهي و (كلّ شى ء) لا يدلّ على غير المتناهي، لأنّ الشّي ء عندنا هو الموجودات، والموجودات متناهية. وأضاف:"إنّ هذه الآية أحد ما يحتجّ به على أنّ المعدوم ليس بشي ء، لأنّ المعدوم لو كان شيئا لكانت الأشياء غير متناهية ...".
وما قاله هذان العلمان: الجبّائيّ المعتزليّ، والرّازيّ الأشعريّ خروج عن المفهوم الشّائع للآيات وتحميل على القرآن للمصطلحات المذهبيّة المتنازع فيها بين الفريقين، منذ أكثر من ألف سنة. ونحن نبّهنا عليها لئلّا يقع العلماء الجدد في تكلّف أمثالها.
6 -قال مغنيّة:"و الغرض من هذا التّأكيد هو التّنبيه إلى أنّ الأنبياء معصومون عن الخطأ في تبليغ الوحي، فلا يزيدون فيه، ولا ينقصون منه حرفا، ولا يبدّلون حرفا بحرف وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى النّجم: 3 و4."
7 -وفرّق بعضهم بين الإحصاء والعدّ: بأنّ الإحصاء عدّ بإحاطة وضبط؛ إذ أصله العدد بآحاد الحصى للتّقوّي في الضّبط، فهو أخصّ من العدّ لعدم لزوم الإحاطة فيه.
ولا بأس به في أصل اللّغة، لا في المنظور القرآنيّ، والجمع بينهما للتّأكيد لا للفرق بينهما.
رابعا: في (3) أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ، قالوا: حفظ عليهم أعمالهم، فعدّه عليهم وأثبته في كتاب أعمالهم، لم يفته منه شي ء، أحاط بجميع أعمالهم وأحوالهم كمّا وكيفا، مكانا وزمانا، لأنّه عالم بالجزئيّات، وضمير المفعول فيهما راجع إلى (ما عملوا) كأنّه قيل: كيف ينبّههم بأعمالهم، وهي أعراض متقضّية متلاشية؟ فقيل: أحصاه اللّه عددا لم يفته شي ء. لاحظ ن س ي:"نسوه".
خامسا: في (4) وَكُلَّ شَيْ ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ، قالوا في (احصيناه) : أثبتناه، ضبطناه، كتبناه، ونحوها، والتّفسير ب (كتبناه) من أجل تفسير إِمامٍ مُبِينٍ ب"كتاب مبين".
لاحظ أم م:"إمام"، وك ت ب:"كتاب".
سادسا: قالوا في (7) عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ: لن تحفظوا ساعات اللّيل، تقدير نصف اللّيل وثلثه وربعه- وهو ألصق بما قبلها- لن تطيقوا قيام اللّيل في النّصف والثّلث والثّلثين، لا تقدرون عليه، لن تحصوا أوصاف الثّناء عليه مهما طال قيامكم باللّيل، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم:
"سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، لا تتمكّنون من المداومة على هذا العمل، ونحوها.
والخلاف فيها يرتفع بملاحظة ما قبلها، فإنّ اللّه أمر نبيّه في صدر سورة المزّمّل بأن يقوم اللّيل نصفه أو ينقص