المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 521
منه قليلا أو يزيد عليه، ثمّ قال في آخرها: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ... ، فذيلها نسخ صدرها- وهي أحد موارد النّسخ في القرآن، فهي حجّة على من أنكر النّسخ رأسا- وصدرها مكّيّة نزلت في أوائل البعثة، أمّا ذيلها فالظّاهر أنّها نزلت بالمدينة، ولهذا لم يلاحظ فيها نظم المكّيّات: من رعاية قصر الآيات؛ بل جاءت في آية واحدة هي من أطول الآيات بعد"آية الدّين"وفيها تذكار بأمر الجهاد:
وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، والجهاد من الأحكام المدنيّة.
وخلاف آخر بينهم في مرجع ضمير المفعول تُحْصُوهُ، وفي معناها، فبعضهم أرجع الضّمير إلى قيام ثلثي اللّيل وسائر الأوقات، فقال: لا تطيقون قيامها لعدم علمكم بها، ومنهم من أرجعه إلى مقدار ثلثي اللّيل ونصفه وثلثه، فقال:"لا تحفظوا، أو لا تقدّروا هذه المقادير: الثّلثين والثّلث والنّصف". فكان الرّجل يقوم ولا يدري متى ينتصف اللّيل، ومتى يكون الثّلثان أو الثّلث، وكان الرّجل يقوم حتّى الصّبح مخافة أن لا يحفظه.
ولهذا قلنا: إنّ رجوع الضّمير إلى تقدير الأوقات ألصق بالسّياق، ويناسبه"الإحصاء"أي لا تقدرون أن تحصوا هذه المقادير.
ومن أجل ذلك حملها بعضهم على تكليف ما لا يطاق، واحتجّ بها على جوازه. والجواب عنه أنّ اللّه خيّر نبيّه في صدرها بين هذه المقادير مع تقييدها ب (قليلا) تنبيها على أنّه لا يجب لحاظها بالدّقّة، وأنّه يكفيه ما قرب منها، وهذا ممّا يطاق. إلّا أنّ بعض المؤمنين كانوا يراعون الدّقّة فيها فصعب عليهم الأمر فنسخها اللّه كما قال: فَتابَ عَلَيْكُمْ.
وفيها بحوث أخرى تعلم بمراجعة النّصوص، لا سيّما ما طوّلوه في إعراب الآية، فلاحظ.
سابعا: في (8 و9) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها بحوث:
1 -هاتان آيتان من سورتين مكّيّتين:"إبراهيم والنّحل"، وقد تكلّم اللّه فيهما عن رؤوس النّعم الّتي أنعم اللّه بها على الإنسان: منها خلق السّماوات والأرض، وإنزال الماء من السّماء، وإنبات الثّمرات به، وتسخير الشّمس والقمر والنّجوم، واللّيل والنّهار، وتسخير الفلك في البحر، وتسخير الأنهار والبحار ونحوها من الآيات الّتي جاءت قبل الآيتين بسياق مشابه، ثمّ قال بعدها في الأولى وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ.
وقال في الثّانية: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ* وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.
فذيّل الأولى بقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ، ترهيبا وإنذارا ووعيدا، وذيّل الثّانية بقوله: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، ترغيبا وإرجاء، ووعدا، فجمع فيهما ما ينتهي إلى حصول الخوف والرّجاء في قلوب العباد المطلوب منهم.
2 -ومن"رسم الخطّ القرآنيّ"في كلمة (نعمت) أنّها جاءت في الأولى بالتّاء الطّويلة في سورة إبراهيم مرّتين،