فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 782
يعتذرون؟!
ويحمل"الإذن"على الأمر، وإنّما لم يؤمروا به، لأنّ تلك الحالة لا تكليف فيها، والعباد ملجؤون عند مشاهدة الأهوال إلى الاعتراف والإقرار. وأحسن من هذا أن يحمل (يؤذن لهم) أنّه لا يسمع لهم ولا يقبل عذرهم، انتهى.
وأنت تعلم أنّ تضعيفه لما أجاب به القوم من امتداد يوم القيامة. وجواز كون المنع من النّطق في بعض منه والإذن في بعض آخر، ليس بمرتضى عند ذي الفكر الرّضيّ، لظهور صحّة وقوع الزّمان الممتدّ ظرفا للنّقيضين، فيما إذا لم يقتض كلّ منهما أو أحدهما جميع ذلك الزّمان.
وقد شاع دفع التّناقض بين الكلامين بمثل ما فعلوا، ومرجعه إلى القول باختلاف الزّمان، كما أنّ مرجع ما روي عن الحسن إلى القول باختلاف المكان، واتّحاد الزّمان والمكان من شروط تناقض القضيّتين، وليس هذا الّذي فعلوه بأبعد ممّا فعله المرتضى، على أنّ في كلامه بعد ما لا يخفى.
وقال بعض الفضلاء: لا منافاة بين هذه الآية والآيات الّتي تدلّ على التّكلّم يوم القيامة، لأنّ المراد من يَوْمَ يَأْتِ حين يأتي، والقضيّة المشتملة على ذلك وقتيّة، حكم فيها بسلب المحمول عن جميع أفراد الموضوع، في وقت معيّن. وهذا لا ينافي ثبوت المحمول للموضوع في غير ذلك الوقت.
وقال ابن عطّية: لا بدّ من أحد أمرين:
إمّا أن يقال: إنّ ما جاء في الآيات من التّلاؤم والتّساؤل والتّجادل ونحو ذلك ممّا هو صريح في التّكلّم كان عن إذن.
وإمّا أن يحمل التّكلّم هنا على تكلّم شفاعة أو إقامة حجّة، وكلا القولين كما ترى. والاستثناء قيل: من أعمّ الأسباب، أي لا تكلّم نفس بسبب من الأسباب، إلّا بسبب إذنه تعالى، وهو متّصل، وجوّز أن يكون منقطعا ويقدّر ما لا يتناول المستثنى، أي لا تكلّم نفس باقتدار من عندها إلّا بإذنه تعالى. ولا يخفى أنّ هذا استثناء مفرّغ، وقد طرق سمعك ما هو الأصحّ فيه.
وقرئ كما في المصاحف لابن الأنباريّ (يوم ياتون لا تكلم دابة الا باذنه) . (12: 139)
الطّباطبائيّ: الباء في قوله: (باذنه) للمصاحبة، فالاستثناء في الحقيقة من الكلام لامن المتكلّم، كما في قوله: لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ النّبأ: 38، والمعنى لا تتكلّم نفس بشي ء من الكلام إلّا بالكلام الّذي يصاحب إذنه، لا كالدّنيا يتكلّم فيها الواحد منهم بما اختاره وأراده، أذن فيه اللّه إذن تشريع أم لم يأذن. [إلى أن قال:]
ذكر بعضهم أنّ معنى قوله: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ أنّها لا تتكلّم فيه إلّا بالكلام الحسن المأذون فيه شرعا، لأنّ النّاس ملجؤون هناك إلى ترك القبائح، فلا يقع منهم قبيح. وأمّا غير القبيح فهو مأذون فيه.
وفيه أنّه تخصيص من غير مخصّص، فاليوم ليس بيوم عمل حتّى يؤذن فيه في إتيان الفعل الحسن ولا يؤذن في القبيح، والإلجاء الّذي منشأه كون الظّرف ظرف جزاء لا عمل، لا يفرق فيه بين العمل الحسن والقبيح،