فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 783
مع كون كليهما اختياريّين، لأنّ الحسن والقبح إنّما يعنون بهما الأفعال الاختياريّة.
على أنّ اللّه تعالى يقول: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ* وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ المرسلات: 35، 36، ومن المعلوم أنّ الإتيان بالأعذار ليس من الفعل القبيح في شي ء.
وقال آخرون: إنّ معنى الآية أنّه لا يتكلّم أحد في الآخرة بكلام نافع من شفاعة ووسيلة إلّا بإذنه.
وهذا إرجاع للآية بحسب المدلول إلى مثل قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ طه: 109، وفيه أنّ ذلك تقييد من غير شاهد عليه، ولو كان المراد ذلك لكان من حقّ الكلام أن يقال:
لا تكلّم نفس عن نفس أو في نفس إلّا بإذنه، كما وقع في نظيره من قوله: لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا الانفطار:
وقد تحصّل ممّا قدّمناه وجه الجمع بين الآيات المثبتة للتّكلّم يوم القيامة والآيات النّافية له.
توضيحه: أنّ الآيات المتعرّضة لمسألة التّكلّم فيه صنفان:
صنف ينفي التّكلّم أو يثبته لأفراد النّاس من غير استثناء، كقوله: لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ الرّحمن: 39، وقوله: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها النّحل: 111.
وصنف ينفي الكلام على أيّ نعت كان من صدق أو كذب، كقوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، وقوله: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ الشّعراء: 101.
والصّنف الأوّل يجمع بين طرفيه بمثل قوله تعالى:
لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ.
والصّنف الثّاني يرتفع التّنافي بين طرفيه بالآية المبحوث عنها: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ لكن بالبناء على ما تقدّم توضيحه، في معنى إناطة التّكلّم بإذنه حتّى يفيد أنّهم ملجؤون في ما تكلّموا به، مضطرّون إلى ما يأذن اللّه سبحانه فيه، ليس لهم أن يتكلّموا بما يختارون ويريدون كما كان لهم ذلك في الدّنيا، ليكون ذلك ممّا يختصّ بيوم القيامة من الوصف.
وبذلك يظهر وجه القصور فيما ذكره صاحب"المنار"في تفسيره؛ حيث قال في تفسير الآية:"و نفي الكلام في ذلك اليوم إلّا بإذنه تعالى يفسّر لنا الجمع بين الآيات النّافية له مطلقا والمثبتة له مطلقا"انتهى.
وقد ذكر قبله آيات فيها، مثل قوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، وقوله: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ يس:
وذلك أنّه، أوّلا: لم يفرّق بين الصّنفين من الآيات، فأوهم ذلك أنّ نفي الكلام (إلّا بإذنه) في الآية المبحوث عنها كاف في رفع التّنافي بين الآيات مطلقا، وليس كذلك.
وثانيا: لم يبيّن معنى كون الكلام بإذنه تعالى، فتوجّه إليه إشكال تخصيص يوم القيامة في الآية بما لا يختصّ به.
وقد يجاب عن إشكال التّنافي بوجه آخر، وهو أنّ يوم القيامة يشتمل على مواقف قد أذن لهم في الكلام في بعض تلك المواقف، ولم يؤذن لهم في الكلام في بعضها،