فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 784
وقد ورد ذلك في بعض الرّوايات.
وهذا الجواب وإن كان بظاهره متميّزا من الوجه السّابق إلّا أنّه لا يستغني عن مسألة الإذن، فهو في الحقيقة راجع إليه.
وقد يجاب بأنّ المراد بعدم التّكلّم والنّطق أنّهم لا ينطقون بحجّة، وإنّما يتكلّمون بالإقرار بذنوبهم، ولوم بعضهم بعضا، وطرح بعضهم الذّنوب على بعض، وهذا كما يقول القائل لمن أكثر من الكلام ولا يشتمل على حجّة: ما تكلّمت بشي ء ولا نطقت بشي ء، فسمّي من يتكلّم بما لا حجّة فيه، غير متكلّم؛ لأنّه لم يأت بحقّ الكلام الّذي كان من الواجب أن يشتمل على حجّة، فكأنّه ليس بكلام. فنفي التّكلّم ناظر إلى عدّ الكلام الّذي لا جدوى فيه غير كلام ادّعاء.
وفيه: أنّه لو صحّ فإنّما يصحّ في مثل قوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، وأمّا مثل قوله: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فلا يرجع إلى معنى محصّل.
وقد يجاب- كما نقله الآلوسيّ عن الغرر والدّرر للمرتضى- أنّ يوم القيامة يوم طويل ممتدّ، فيجوز، أن يمنعوا النّطق في بعضه، ويؤذن لهم في بعض آخر منه.
وفيه أنّ الإشارة إلى يوم القيامة بطوله. وعلى قولهم يكون مثلا معنى قوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ، هذا يوم لا ينطقون في بعضه، وهو خلاف الظّاهر. ويرد نظير الإشكال على الوجه الثّاني الّذي أجيب فيه عن الإشكال باختلاف المواقف. فإنّ مرجع الوجهين- أعني الوجه الثّاني وهذا الوجه الرّابع- واحد، وإنّما الفرق أنّ الوجه الثّاني يرفع التّنافي باختلاف الأمكنة، وهذا الوجه يرفعه باختلاف الأزمنة، كما أنّ الوجه الثّالث يرفعه باختلاف الكلام، باشتماله على الجدوى وعدم اشتماله عليه.
وقد يجاب بما يظهر من قول بعضهم: إنّ الاستثناء في قوله: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ منقطع لا متّصل، أي لا تتكلّم نفس باقتدار من عندها إلّا بإذنه تعالى ومحصّل الوجه أنّ الممنوع من التّكلّم يوم القيامة هو الّذي يكون بقدرة من الإنسان، والجائز الواقع ما يكون بإذنه تعالى.
وفيه: أنّ تكلّم الإنسان كسائر أفعاله الاختياريّة، ليس مستندا إلى قدرته محضا في وقت قطّ، بل هو منسوب إلى قدرته، مستمدّا من قدرة اللّه تعالى وإذنه.
فكلّما تكلّم الإنسان أو فعل فعلا بقدرته صدر عنه ذلك عن قدرته، بمصاحبة من إذن اللّه تعالى.
ويعود معنى الاستثناء حينئذ إلى إلغاء جميع الأسباب العاملة في التّكلّم يوم القيامة إلّا واحدا منها، هو إذنه تعالى. ويصير الاستثناء متّصلا، ويرجع إلى ما قدّمناه من الوجه أوّلا، أنّ التّكلّم الممنوع هو الاختياريّ منه على حدّ التّكلّم الدّنيويّ، والجائز ما كان مستندا إلى السّبب الإلهيّ فقط وهو إذنه وإرادته، والظّرف ظرف الاضطرار والإلجاء.
لكنّهم يرون أنّ سبب الإلجاء يوم القيامة مشاهدة أهواله، فإنّ النّاس ملجؤون عند مشاهدة الأهوال إلى الاعتراف والإقرار، وقول الصّدق واتّباع الحقّ. وقد قدّمنا أنّ السّبب في ذلك كون الظّرف ظرف جزاء لا عمل، وبروز الحقائق عند ذلك. (11: 10 - 18)
7 -... وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا