المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 648
الذّكر"قصد إلى بيان نقص الأنثى، وما كان قصد إلى بيان فضله كان أدلّ على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه، لأنّهم كانوا يورّثون الذّكور دون الإناث، وهو السّبب لورود الآية، فقيل: كفى الذّكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث، فلا يتمادى في حظّهنّ حتّى يحرمن مع إدلائهنّ من القرابة، بمثل ما يدلون به."
فإن قلت: فإنّ حظّ الأنثيين الثّلثان، فكأنّه قيل:
للذّكر الثّلثان.
قلت: أريد حال الاجتماع لا الانفراد، أي إذا اجتمع الذّكر والأنثيان كان له سهمان كما أنّ لهما سهمين، وأمّا في حال الانفراد فالابن يأخذ المال كلّه، والبنتان يأخذان الثّلثين. والدّليل على أنّ الغرض حكم الاجتماع أنّه أتبعه حكم الانفراد، وهو قوله: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ والمعنى: للذّكر منهم، أي من أولادكم، فحذف الرّاجع إليه، لأنّه مفهوم، كقولهم:
السّمن منوان بدرهم. (1: 505)
نحوه البيضاويّ. (1: 206)
الفخر الرّازيّ: [نحو الزّمخشريّ، وله بحث مستوفى أكثره فقهيّ، فراجع] (9: 203 - 211)
نحوه القرطبيّ. (5: 55 - 67)
العكبريّ: الجملة في موضع نصب ب (يوصى) ، لأنّ المعنى: يفرض لكم، أو يشرع في أولادكم، والتّقدير: في أمر أولادكم. (1: 334)
أبو حيّان: لمّا أبهم في قوله: نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ في المقدار والأقربين، بيّن في هذه الآية المقادير، ومن يرث من الأقربين. وبدأ مالأولاد وإرثهم من والديهم، كما بدأ في قوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ بهم، وفي قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إجمال أيضا بيّنه بعد، وبدأ بقوله: (للذّكر) وتبيّن ماله دلالة على فضله، وكان تقديم الذّكر أدلّ على فضله من ذكر بيان نقص الأنثى عنه، ولأنّهم كانوا يورّثون الذّكور دون الإناث، فكفاهم أن ضوعف لهم نصيب الإناث، فلا يحرمن إذهنّ يدلين بما يدلون به من الولديّة. (3: 180)
أبو السّعود: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ جملة مستأنفة جي ء بها لتبيين الوصيّة وتفسيرها. وقيل: محلّها النّصب ب (يوصيكم) على أنّ المعنى يفرض عليكم ويشرع لكم هذا الحكم. وهذا قريب ممّا رآه الفرّاء، فإنّه يجري ما كان بمعنى القول من الأفعال مجراه في حكاية الجملة بعده، ونظيره قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ المائدة: 9.
وقوله تعالى: (للذّكر) لا بدّ له من ضمير عائد إلى"الأولاد"محذوف ثقة بظهوره، كما في قولهم: السّمن منوان بدرهم، أي للذّكر منهم. وقيل: الألف واللّام قائم مقامه، والأصل: لذكرهم، و (مثل) صفة لموصوف محذوف، أي للذّكر منهم حظّ الأنثيين.
والبداءة ببيان حكم الذّكر، لإظهار مزيّته على الأنثى، كما أنّها المناط في تضعيف حظّه، وإيثار اسمي الذّكر والأنثى على ما ذكر أوّلا من الرّجال والنّساء، للتّنصيص على استواء الكبار والصّغار من الفريقين في الاستحقاق، من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلا، كما هو زعم أهل الجاهليّة؛ حيث كانوا لا يورّثون