فهرس الكتاب

الصفحة 7923 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 710

اللَّهِ بمعنى الباء، مثلها في قوله تعالى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ الشّورى: 45، أي بطرف خفيّ، وفي ذلك رواية عن الإمام جعفر الصّادق عليه السّلام.

وقال المفسّرون: المراد ب"المعقّبات": الملائكة، وفي بعض التّفاسير: أنّ اللّه يرسل عشرة من الملائكة بالنّهار يحرسون الإنسان، وعند الغروب يذهب هؤلاء، ويأتي عشرة آخرون يحرسونه باللّيل، وهكذا يفعل مع كلّ فرد من أفراد الإنسان في كلّ يوم من الأيّام، أمّا إبليس فيقوم بدور الغواية وتضليل الإنسان بالنّهار، وأولاده باللّيل.

وبالإضافة إلى أنّ هذا بعيد عن دلالة اللّفظ، فإنّ الأفهام والأذواق ترفضه وتأباه، والّذي نتصوّره نحن أنّ المراد ب"المعقّبات": حواسّ الإنسان وغرائزه الّتي بها يحفظ وجوده وكيانه- كما أشرنا- وأنّ المعنى: أنّ اللّه سبحانه خلق الإنسان، وجعل فيه السّمع والبصر والإدراك وغيرها من الصّفات والغرائز لتحرسه وتصونه. وهذا المعنى وإن كان بعيدا عن دلالة اللّفظ، فإنّه يتّفق مع الواقع، ولا ينفيه السّياق، فبالإدراك يميّز الإنسان بين النّافع والضّارّ، وبالبصر يعرف طريق السّلامة، وبحبّ الذّات يتحفّظ من المهلكات. (4: 385)

الطّباطبائيّ: ظاهر السّياق أنّ الضّمائر الأربع (له) (يديه) (خلفه) يَحْفَظُونَهُ مرجعها واحد، ولا مرجع يصلح لها جميعا إلّا ما في الآية السّابقة، أعني الموصول في قوله: مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ إلخ، فهذا الإنسان الّذي يعلم به اللّه سبحانه في جميع أحواله هو الّذي له معقّبات من بين يديه ومن خلفه.

وتعقيب الشّي ء إنّما يكون بالمجي ء بعده والإتيان من عقبه، فتوصيف المعقّبات بقوله: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ إنّما يتصوّر إذا كان سائرا في طريق، ثمّ طاف عليه المعقّبات حوله. وقد أخبر سبحانه عن كون الإنسان سائرا هذا السّير بقوله: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ الانشقاق: 6، وفي معناه سائر الآيات الدّالّة على رجوعه إلى ربّه، كقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يس: 83، وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ العنكبوت: 21، فللإنسان وهو سائر إلى ربّه معقّبات تراقبه من بين يديه ومن خلفه.

ثمّ من المعلوم من مشرب القرآن أنّ الإنسان ليس هو هذا الهيكل الجسمانيّ والبدن المادّيّ فحسب بل هو موجود تركّب من نفس وبدن، والعمدة فيما يرجع إليه من الشّؤون هي نفسه، فلها الشّعور والإرادة، وإليها يتوجّه الأمر والنّهي، وبها يقوم الثّواب والعقاب والرّاحة والألم والسّعادة والشّقاء، وعنها يصدر صالح الأعمال وطالحها، وإليها ينسب الإيمان والكفر وإن كان البدن كالآلة الّتي يتوسّل بها في مقاصدها ومآربها.

وعلى هذا يتّسع معنى ما بين يدي الإنسان وما خلفه، فيعمّ الأمور الجسمانيّة والرّوحيّة جميعا، فجميع الأجسام والجسمانيّات الّتي تحيط بجسم الإنسان مدى حياته بعضها واقعة أمامه وبين يديه وبعضها واقعة خلفه، وكذلك جميع المراحل النّفسانيّة الّتي يقطعها الإنسان في مسيره إلى ربّه، والحالات الرّوحية الّتي يعتورها ويتقلّب فيها من قرب وبعد، وغير ذلك، والسّعادة والشّقاء، والأعمال الصّالحة والطّالحة، وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت