فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 711
ادّخر لها من الثّواب والعقاب، كلّ ذلك واقعة خلف الإنسان أو بين يديه، ولهذه المعقّبات الّتي ذكرها اللّه سبحانه شأن فيها بما أنّ لها تعلّقا بالإنسان.
والإنسان الّذي وصفه اللّه بأنّه لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، لا يقدر على حفظ شي ء من نفسه، ولا آثار نفسه الحاضرة عنده والغائبة عنه، وإنّما يحفظها له اللّه سبحانه. قال تعالى: اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ الشّورى: 6، وقال: وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ حَفِيظٌ سبأ: 21، وقال يذكر الوسائط في هذا الأمر:
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ الانفطار: 10.
فلو لا حفظه تعالى إيّاها بهذه الوسائط الّتي سماّها حافظين تارة ومعقّبات أخرى، لشمله الفناء من جهاتها، وأسرع إليها الهلاك من بين أيديها ومن خلفها، غير أنّه كما أنّ حفظها بأمر من اللّه عزّ شأنه، كذلك فناؤها وهلاكها وفسادها بأمر من اللّه، لأنّ الملك للّه، لا يدبّر أمره ولا يتصرّف فيه إلّا هو سبحانه، فهو الّذي يهدي إليه التّعليم القرآنيّ، والآيات في هذه المعاني متكاثرة، لا حاجة إلى إيرادها.
والملائكة أيضا إنّما يعملون ما يعملون بأمره، قال تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ النّحل: 2، وقال: لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ الأنبياء: 27.
ومن هنا يظهر أنّ هذه المعقّبات: الحفّاظ، كما يحفظون ما يحفظون بأمر اللّه، كذلك يحفظونه من أمر اللّه، فإنّ جانب الفناء والهلاك والضّيعة والفساد بأمر اللّه، كما أنّ جانب البقاء والاستقامة والصّحّة بأمر اللّه، فلا يدوم مركّب جسمانيّ إلّا بأمر اللّه، كما لا ينحلّ تركيبه إلّا بأمر اللّه، ولا تثبت حالة روحيّة أو عمل أو أثر عمل إلّا بأمر من اللّه، كما لا يطرقه الحبط ولا يطرأ عليه الزّوال إلّا بأمر من اللّه، فالأمر كلّه للّه وإليه يرجع الأمر كلّه.
وعلى هذا فهذه المعقّبات كما يحفظونه بأمر اللّه كذلك يحفظونه من أمر اللّه، وعلى هذا ينبغي أن ينزّل قوله في الآية المبحوث عنها: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ.
فضل اللّه: وتدخل الآية ضمن حديث اللّه عن تدبيره لحياة الإنسان، عبر قواعد وضوابط وقوانين تحكمها في ثلاث نقاط:
1 -إنّ اللّه قد جعل للإنسان في حياته عوامل وعناصر تحيط به من كلّ جوانبه، وتتعاقب على مدار السّاعة، بحيث يتّبع بعضها بعضا بشكل متواصل، وهذا ما عبّر عنه بالمعقّبات الّتي تتناوب في حياته، فلا تتركه وحده، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ بما يمثّله ذلك الأمر من أوضاع وأخطار تجرّها إليه سنن اللّه المودعة في الكون، ممّا قد يهدم حياته، ويهزم استقراره، إذا واجهها وحده، دون ما وفّره اللّه لصونه من عناصر الحماية والدّفاع في نفسه وجسده؛ بحيث لا يشعر الإنسان بالقلق والضّياع أمام الكون الكبير المملوء بالأخطار والمهالك، بل يشعر بالثّقة الكبيرة، لما ركّبه اللّه في داخله من أجهزة، وهيّأ له من أسباب، وما أحاطه به من عناية ورعاية. فحسبه أنّه يتحرّك في أجواء الحفظ الشّامل من قبل اللّه. [ثمّ أدام الكلام في النّقطتين الأخريين الرّاجعتين إلى ذيل الآية]