فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 719
محفوظة لا تبطل بالموت ولا تفسد، حتّى إذا أحيا اللّه الأبدان أرجع النّفوس إليها، فكان الإنسان هو الإنسان الدّنيويّ بعينه وشخصه، ثمّ يجزيه بما يقتضيه أعماله المحفوظة عليه من خير أو شرّ.
ويؤيّد ذلك كثير من الآيات الدّالّة على حفظ الأشياء، كقوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ الم السّجدة: 11، وقوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ الزّمر: 42.
ولا ينافي هذا الوجه ظاهر آية الانفطار السّابقة، من أنّ حفظ الملائكة هو الكتابة، فإنّ حفظ نفس الإنسان أيضا من الكتابة على ما يستفاد من قوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الجاثية: 29، وقد تقدّمت الإشارة إليه.
ويندفع بهذا الوجه الاعتراض على ما استدلّ به على المعاد من إطلاق القدرة، كما سيجي ء، ومحصّله أنّ إطلاق القدرة إنّما ينفع فيما كان ممكنا، لكن إعادة الإنسان بعينه محال، فإنّ الإنسان المخلوق ثانيا مثل الإنسان الدّنيويّ المخلوق أوّلا لا شخصه الّذي خلق أوّلا، ومثل الشّي ء غير الشّي ء لا عينه.
وجه الاندفاع أنّ شخصيّة الشّخص من الإنسان بنفسه لا ببدنه، والنّفس محفوظة فإذا خلق البدن وتعلّقت به النّفس، كان هو الإنسان الدّنيويّ بشخصه، وإن كان البدن بالقياس إلى البدن مع الغضّ عن النّفس، مثلا لا عينا. (20: 258)
مكارم الشّيرازيّ: ولنرى لأيّ شي ء كان هذا القسم: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ يحفظ عليه أعماله، وتسجّل كلّ أفعاله ليوم الحساب، وكما جاء في الآيات: 10 - 12، من سورة الإنفطار: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِرامًا كاتِبِينَ* يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ.
فلا تظنّوا بأنّكم بعيدون عن الأنظار، بل أينما تكونوا فثمّة عليكم ملائكة مأمورين يسجّلون كلّ ما يبدر منكم. وهذا ما له الأثر البالغ في عمليّة إصلاح وتربية الإنسان. مع أنّ الآية لم تحدّد هويّة"الحافظ"، ولكنّ الآيات الأخرى تبيّن بأنّ"الحفظة"هم الملائكة وأنّ"المحفوظ"هو أعمال الإنسان، من الطّاعات والمعاصي.
وقيل: يراد بها حفظ الإنسان من الحوادث والمهالك، ولو لا ذلك لما خرج الإنسان من الدّنيا بالموت الطّبيعيّ، والأطفال بالخصوص. أو المراد هو: حفظ الإنسان من وساوس الشّيطان، ولو لا هذا الحفظ لما سلم أحد من وساوس شياطين الجنّ والإنس.
وبلحاظ ما تتطرّق إليه الآيات التّالية حول: المعاد والحساب الإلهيّ، يكون التّفسير الأوّل أقرب من غيره وأنسب، ولو أنّ الجمع بينها لا يبعد عن احتمال إرادة الآية به.
والعلاقة ما بين المقسوم به وما أقسم له وثيقة وعضويّة؛ حيث إنّ السّماء العالية والنّجوم الّتي تتحرّك في مسارات منظّمة، دليل على وجود النّظم والحساب الدّقيق في عالم الوجود، فكيف يمكن أن نتصوّر بأنّ أعمال الإنسان دون باقي الأشياء لا تخضع لهذه السّنّة، لتبقى سائبة بلا ضبط وتسجيل، وليس عليها من حافظ؟!! (20: 99)