فهرس الكتاب

الصفحة 7939 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 726

وحان أجله.

وقالت فرقة- وهي الأكثر-: الضّمير في (له) عائد على القرآن، قاله مجاهد وقتادة. والمعنى: لَحافِظُونَ من أن يبدّل أو يغيّر، كما جرى في سائر الكتب المنزلة.

وفي آخر ورقة من البخاريّ عن ابن عبّاس: أنّ التّبديل فيها إنّما كان في التّأويل، وأمّا في اللّفظ فلا.

وظاهر آيات القرآن أنّهم بدّلوا اللّفظ، ووضع اليد في آية الرّجم هو في معنى تبديل الألفاظ. وقيل:

لَحافِظُونَ باختزانه في صدور الرّجال؛ والمعنى متقارب.

وقال قتادة: هذه الآية نحو قوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ فصّلت: 42.

الفخر الرّازيّ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وفيه مسائل:

المسألة الأولى: أنّ القوم إنّما قالوا: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ الحجر: 6، لأجل أنّهم سمعوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول:"إنّ اللّه تعالى نزّل الذّكر عليّ"ثمّ إنّه تعالى حقّق قوله في هذه الآية فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.

فأمّا قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ فهذه الصّيغة وإن كانت للجمع إلّا أنّ هذا من كلام الملوك عند إظهار التّعظيم، فإنّ الواحد منهم إذا فعل فعلا أو قال قولا، قال:

إنّا فعلنا كذا، وقلنا كذا فكذا هاهنا.

المسألة الثّانية: الضّمير في قوله: لَهُ لَحافِظُونَ إلى ماذا يعود؟ فيه قولان:

القول الأوّل: إنّه عائد إلى (الذّكر) يعني: وإنّا نحفظ ذلك الذّكر من التّحريف والزّيادة والنّقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ فصّلت: 42 وقال: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا النّساء: 82.

فإن قيل: فلم اشتغلت الصّحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد اللّه تعالى بحفظه، وما حفظه اللّه فلا خوف عليه؟

والجواب: أنّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ اللّه تعالى إيّاه، فإنّه تعالى لمّا أن حفظه قيّضهم لذلك. قال أصحابنا: وفي هذه الآية دلالة قويّة على كون التّسمية آية من أوّل كلّ سورة، لأنّ اللّه تعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظ لا معنى له إلّا أن يبقى مصونا من الزّيادة والنّقصان، فلو لم تكن التّسمية من القرآن لما كان القرآن مصونا عن التّغيير، ولما كان محفوظا عن الزّيادة. ولو جاز أن يظنّ بالصّحابة أنّهم زادوا، لجاز أيضا أن يظنّ بهم النّقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجّة.

والقول الثّاني: أنّ الكناية في قوله: (له) راجعة إلى محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى وإنّا لمحمّد لحافظون. وهو قول الفرّاء، وقوّى ابن الأنباريّ هذا القول، فقال: لمّا ذكر اللّه الإنزال والمنزل دلّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه، لكونه أمرا معلوما، كما في قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فإنّ هذه الكناية عائدة إلى القرآن مع أنّه لم يتقدّم ذكره، وإنّما حسنت الكناية للسّبب المعلوم، فكذا هاهنا. إلّا أنّ القول الأوّل أرجح القولين وأحسنهما، مشابهة لظاهر التّنزيل، واللّه أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت