فهرس الكتاب

الصفحة 7940 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 727

المسألة الثّالثة: إذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنّه تعالى كيف يحفظ القرآن؟

قال بعضهم: حفظه بأن جعله معجزا مباينا لكلام البشر، فعجز الخلق عن الزّيادة فيه والنّقصان عنه، لأنّهم لو زادوا فيه أو نقصوا عنه لتغيّر نظم القرآن، فيظهر لكلّ العقلاء أنّ هذا ليس من القرآن، فصار كونه معجزا كإحاطة السّور بالمدينة، لأنّه يحصنها ويحفظها.

وقال آخرون: إنّه تعالى صانه وحفظه من أن يقدر أحد من الخلق على معارضته.

وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده، بأن قيّض جماعة يحفظونه ويدرسونه ويشهرونه، فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التّكليف.

وقال آخرون: المراد بالحفظ هو أنّ أحدا لو حاول تغييره بحرف أو نقطة، لقال له أهل الدّنيا: هذا كذب وتغيير لكلام اللّه تعالى، حتّى أنّ الشّيخ المهيب لو اتّفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب اللّه تعالى، لقال له كلّ الصّبيان: أخطأت أيّها الشّيخ، وصوابه كذا وكذا، فهذا هو المراد من قوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.

واعلم أنّه لم يتّفق لشي ء من الكتب مثل هذا الحفظ، فإنّه لا كتاب إلّا وقد دخله التّصحيف والتّحريف والتّغيير، إمّا في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصونا عن جميع جهات التّحريف- مع أنّ دواعي الملحدة واليهود والنّصارى متوفّرة على إبطاله وإفساده- من أعظم المعجزات، وأيضا أخبر اللّه تعالى عن بقائه محفوظا عن التّغيير والتّحريف، وانقضى الآن قريبا من ستّمئة سنة فكان هذا إخبارا عن الغيب، فكان ذلك أيضا معجزا قاهرا.

المسألة الرّابعة: احتجّ القاضي بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ على فساد قول بعض الإماميّة [و قد انقرضوا] في أنّ القرآن قد دخله التّغيير والزّيادة والنّقصان، قال: لأنّه لو كان الأمر كذلك لما بقي القرآن محفوظا. وهذا الاستدلال ضعيف، لأنّه يجري مجرى إثبات الشّي ء بنفسه، فالإماميّة الّذين يقولون: إنّ القرآن قد دخله التّغيير والزّيادة والنّقصان، لعلّهم يقولون: إنّ هذه الآية من جملة الزّوائد الّتي ألحقت بالقرآن، فثبت أنّ إثبات هذا المطلوب بهذه الآية يجرى مجرى إثبات الشّي ء نفسه، وأنّه باطل، واللّه أعلم.

[و لا يرضى الإماميّة بما ذكره عنهم] (19: 160)

نحوه النّيسابوريّ (14: 9) ، والشّربيني (2: 194) .

القرطبيّ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ يعني القرآن وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من أن يزاد فيه أو ينقص منه ...

فتولّى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظا، وقال في غيره:

بِمَا اسْتُحْفِظُوا المائدة: 44، فوكّل حفظه إليهم فبدّلوا وغيّروا. [ثمّ نقل عن يحيى بن أكثم]

كان للمأمون- وهو أمير إذ ذاك- مجلس نظر، فدخل في جملة النّاس رجل يهوديّ حسن الثّوب حسن الوجه طيّب الرّائحة، قال: فتكلّم فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلمّا أن تقوّض المجلس دعاه المأمون، فقال له: إسرائيليّ؟ قال: نعم. قال له: أسلم حتّى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف.

قال: فلمّا كان بعد سنة جاءنا مسلما، قال: فتكلّم على الفقه فأحسن الكلام، فلمّا تقوّض المجلس دعاه المأمون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت