فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 731
وروحانيّته، ونفس ألفاظه وحروفه، وأسلوب ترتيله وتلاوته الّتي تلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وبترتيبه الّذي رتّبه:
آيات في سور، وسور في مصحف، ممّا لم يتيسّر لأيّ كتاب سماويّ ولا لأيّ نبيّ.
وقد ظلّ مرجع كلّ خلاف، وحكما في كلّ نزاع بين المسلمين، على اختلاف فرقهم وأهوائهم، والقول الفصل في كلّ مذهب، وعند كلّ نحلة من مذاهبهم ونحلهم على كثرتها، منذ وفاة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى اليوم، وإلى ما شاء اللّه لهذا الكون أن يدوم.
ويكفي لتبيّن خطورة المعجزة الرّبّانيّة العظمى أن يذكر المرء ما كان من فتن وخلاف وشقاق وحروب وتنافس، في سبيل الحكم والسّلطان منذ صدر الإسلام الأوّل، وما كان من اجتراء أصحاب الأهواء في ذلك العهد وبعده على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والكذب عليه في وضع الأحاديث المتضمّنة تأييد فئة على فئة، ورأي على رأي، ودعوة على دعوة، وما كان من وضع الأحاديث والرّوايات لصرف آيات القرآن إلى غير وجهها الحقّ، وتأويلها بغير وجهها الحقّ بسبيل ذلك، وما كان من استعلاء قوم على قوم وشيعة على شيعة استعلاء القوّة والسّلطان، مع اشتداد العداء والتّجريح، واشتداد تيّار الأحاديث المفتراة.
وكان ممّن صار له السّلطان القويّ الواسع المديد فئات كانت تقيم دعوتها على صرف تلك الآيات إلى هواها، وتأويلها بغير وجهها الحقّ، والاجتراء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بسبيل ذلك، وأن يذكر أنّ هذا كان في وقت لم يكن القرآن فيه مطبوعا ولا مصوّرا، ولم يكن من المستحيل فيه أن يجرأ الّذين اجترأوا على رسول اللّه وأصحابه وكذبوا عليهم، وصرفوا الآيات القرآنيّة إلى غير وجهها الحقّ- على كتاب اللّه تعالى- فيغيّروا ويبدّلوا ويزيدوا وينقصوا تبديلا جوهريّا سائغا على المسلمين مؤيّدا لأهوائهم، وينشروا به مصاحف عديدة، وبخاصّة في الآيات الّتي حاولوا صرفها عن وجهها الحقّ إلى تأييد أهوائهم ودعوتهم، أو إضعافها لتكون أكثر مطابقة مع الوجوه الّتي أريد صرفها إليها سلبا وإيجابا، ونفيا وإثباتا، وفي وقت كانت الكتابة العربيّة سقيمة، ولم يكن قد اخترع النّقط والشّكل، وكان التّشابه بين الحروف كثيرا، واحتمال اللّبس قويّا.
ولقد حفظت ببركة هذه المعجزة الرّبّانيّة اللّغة العربيّة- الّتي نزل بها- قويّة مشرقة بكلّ ما وصلت إليه من سعة وبلاغة ودقّة ونفوذ وعمق ونصاعة وضوابط، لتظلّ لغة الأمّة العربيّة الفصحى في كلّ صقع وواد، وفي كلّ دور وزمان، وهو ما لم يتيسّر للغة أمّة من أمم الأرض، ولتكون إلى ذلك لغة عبادة اللّه لجميع الأمم الإسلاميّة المنتشرة في أنحاء الأرض، خلال ثلاثة عشر قرنا، ثمّ خلال القرون الآتية، بل ولتترشّح لتكون لغة العالم الإسلامىّ بل لغة الإنسانيّة، حينما يأذن اللّه بتحقيق وعده وإظهار الإسلام على الدّين كلّه، كما جاء في آيات عديدة، منها آية سورة الفتح: 28، هذه هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا.
وحفظت ببركتها الأمّة العربيّة قويّة الحيويّة صامدة أمام ما وقع عليها من نكبات، وتسلّل فيها من عناصر