فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 732
غريبة، محتفظة بمواهبها العظيمة وخصائصها القوميّة، الّتي كان من مظاهرها أن اصطفى خاتم الأنبياء منها.
وأن نزل آخر كتاب سماويّ بها مصدّقا لما قبله ومهيمنا عليه.
وأن حملت عب ء الدّعوة إلى اللّه ونشر رسالته المتمّمة لما سبقها، والّتي بقيت نقيّة صافية كما هي في منبعها الأوّل، الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
وأن ترشّحت بذلك لتكون خير أمّة أخرجت للنّاس، إن هي قامت بما حملها إيّاه القرآن من ذلك العب ء، ودعت إلى الخير، وأمرت بالمعروف، ونهت عن المنكر.
نقول هذا ونحن نعرف أنّ هناك بعض روايات تروى عن بعض آيات وكلمات وحروف مختلف عليها في القرآن. وأنّ بعض المستشرقين والمبشّرين تقوّلوا بعض الأقوال في صدد ذلك. غير أنّ هذا وذاك لا يمسّ جوهرا، وليس من شأنه أن ينقض المعجزة الرّبّانيّة العظمى. وهو من الضّآلة والقلّة إلى درجة لا تكاد تكون شيئا بالنّسبة للمجموع، كما أنّه لا يثبت على النّقد والتّمحيص، وهناك مستشرقون منصفون زيّفوا بقوّة الأقوال الصّادرة عن الهوى والغرض والحقد والتّعصّب. (4: 126)
مغنيّة: المراد ب (الذّكر) : القرآن. وقيل: إنّ ضمير (له) يعود إلى محمّد صلّى اللّه عليه وآله، وإنّ اللّه يحفظه من أعدائه، وهذا خلاف ظاهر الآية، فيتعيّن إعادة الضّمير إلى القرآن.
وتسأل: من أيّ شي ء يحفظ اللّه القرآن؟ فإن كان المراد أنّ اللّه يحفظه من التّحريف- كما قال أكثر المفسّرين- فبالأمس القريب طبعت إسرائيل ألوف النّسخ من القرآن، وحرّفت ما اشتهت من الآيات، منها الآية (85) من سورة آل عمران الّتي صارت في قرآن إسرائيل:
"و من يبتغ غير الاسلام دينا يقبل منه". وإن كان المراد بالحفظ أنّه لا أحد يستطيع الطّعن فيه، فهذا خلاف الواقع؟
وذكر الرّازيّ والطّبرسيّ عددا من الأجوبة، ولكنّها غير مقنعة. والّذي نراه أنّ المراد بحفظ القرآن: أنّ كلّ ما فيه هو حقّ ثابت وراسخ مدى الأزمان، لا يمكن ردّه والطّعن فيه بالحجّة، بل كلّما تقدّمت العقول والعلوم ظهرت أدلّة جديدة على صدق القرآن وعظمته. وهذا المعنى الّذي فسّرنا فيه حفظ القرآن تدلّ عليه أو تشعر به الآية وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فصّلت: 42.
الطّباطبائيّ: صدر الآية مسوق سوق الحصر، وظاهر السّياق أنّ الحصر ناظر إلى ما ذكر من ردّهم القرآن بأنّه من أهذار الجنون، وأنّه صلّى اللّه عليه وآله مجنون لا عبرة بما صنع ولا حجر. ومن اقتراحهم أن يأتيهم بالملائكة ليصدّقوه في دعوته، وأنّ القرآن كتاب سماويّ حقّ.
والمعنى- على هذا واللّه أعلم- أنّ هذا (الذّكر) لم تأت به أنت من عندك حتّى يعجزوك ويبطلوه بعنادهم وشدّة بطشهم وتتكلّف لحفظه ثمّ لا تقدر، وليس نازلا من عند الملائكة حتّى يفتقر إلى نزولهم وتصديقهم إيّاه، بل نحن أنزلنا هذا الذّكر إنزالا تدريجيّا، وإنّا له لحافظون