فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 733
بما له من صفة الذّكر، بما لنا من العناية الكاملة به.
فهو ذكر حيّ خالد مصون من أن يموت وينسى من أصله، مصون من الزّيادة عليه بما يبطل به كونه ذكرا، مصون من النّقص كذلك، مصون من التّغيير في صورته وسياقه؛ بحيث يتغيّر به صفة كونه ذكرا للّه، مبيّنا لحقائق معارفه.
فالآية تدلّ على كون كتاب اللّه محفوظا من التّحريف بجميع أقسامه، من جهة كونه ذكرا للّه سبحانه، فهو ذكر حيّ خالد.
ونظير الآية في الدّلالة على كون الكتاب العزيز محفوظا بحفظ اللّه، مصونا من التّحريف والتّصرّف بأيّ وجه كان، من جهة كونه ذكرا له سبحانه، قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فصّلت: 41، 42.
وقد ظهر بما تقدّم أنّ اللّام في (الذّكر) للعهد الذّكريّ، وأنّ المراد بالوصف لَحافِظُونَ هو الاستقبال، كما هو الظّاهر من اسم الفاعل، فيندفع به ما ربّما يورد على الآية أنّها لو دلّت على نفي التّحريف من القرآن، لأنّه ذكر، لدلّت على نفيه من التّوراة والإنجيل أيضا، لأنّ كلّا منهما ذكر، مع أنّ كلامه تعالى صريح في وقوع التّحريف فيهما.
وذلك أنّ الآية بقرينة السّياق إنّما تدلّ على حفظ الذّكر الّذي هو القرآن بعد إنزاله إلى الأبد، ولا دلالة فيها على علّيّة الذّكر للحفظ الإلهيّ، ودوران الحكم مداره.
[ثمّ أطال الكلام في عدم تحريف القرآن فلاحظ.]
عبد الكريم الخطيب: [نحو بعض المتقدّمين في معنى الحفظ وأضاف:]
والسّؤال هنا: لم وكل اللّه سبحانه وتعالى حفظ الكتب السّماويّة السّابقة إلى أهلها، ولم يتولّ سبحانه وتعالى حفظها، وهي من كلماته، كما تولّى ذلك سبحانه، بالنّسبة للقرآن الكريم؟
والجواب على هذا، واللّه أعلم:
أوّلا: أنّ الكتب السّماويّة السّابقة مرادة لغاية محدودة، ولوقت محدود؛ وذلك إلى أن يأتي القرآن الكريم، الّذي هو مجمع هذه الكتب، والمهيمن عليها. وهو بهذا التّقدير الرّسالة السّماويّة إلى الإنسانيّة كلّها في جميع أوطانها وأزمانها.
فلو أنّ الكتب السّماويّة السّابقة، كان لها هذا الحفظ من اللّه سبحانه، لما دخلها هذا التّحريف والتّبديل، ومن ثمّ لم يكن للقرآن الكريم هيمنة عليها، ولم يكن ناسخا لها. الأمر الّذي أراد اللّه سبحانه وتعالى للقرآن الكريم أن يجي ء له.
وثانيا: هذا التّبديل والتّحريف الّذي أدخله أهل الكتب السّابقة على كتبهم، لا يدخل منه شي ء على آيات اللّه وكلماته. كما لم يدخل شي ء من ذلك على آياته الكونيّة، الّتي يغوى بها الغاوون، وينحرف بها المنحرفون. وكما لا يدخل شي ء من النّقص على ذاته الكريمة، أو صفاته وكمالاته، إذا جدّف المجدفون على اللّه، ونظروا إلى ذاته وصفاته بعيون مريضة، وقلوب فاسدة، وعقول سقيمة. (7: 218)