فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 734
مكارم الشّيرازيّ: حفظ القرآن من التّحريف
بعد أن استعرضت الآيات السّابقة تحجّج الكفّار واستهزاءهم بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله والقرآن، تأتي هذه الآية المباركة لتواسي قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله من جهة، ولتطمئنّ قلوب المؤمنين المخلصين من جهة أخرى، من خلال طرح مسألة حيويّة ذات أهمّيّة بالغة لحياة الرّسالة، ألا وهي حفظ القرآن من أيادي التّلاعب والتّحريف إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. فبناء هذا القرآن مستحكم وشمس وجوده لا يغطّيها غربال الضّلال، ومصباح هديه أبديّ الإنارة، ولو اتّحد أعتى جبابرة التّاريخ وطغاته وحكّامه الظّلمة، محفوفين بعلماء السّوء، ومزوّدين بأقوى الجيوش عدّة وعتادا، على أن يخمدوا نور القرآن ومحاولة النّيل من نقائه، فلن يستطيعوا، لأنّ الحكيم الجبّار سبحانه تعهّد بحفظه وصيانته، فكيف بهم وهم فئة قليلة ضعيفة!
وقد اختلف المفسّرون في دلالة"حفظ القرآن"في هذه الآية المباركة.
1 -قال بعضهم: الحفظ من التّحريف والتّغيير، والزّيادة والنّقصان.
2 -وقال البعض الآخر: حفظ القرآن من الضّياع والفناء إلى يوم قيام السّاعة.
3 -وقال غيرهم: حفظه أمام المعتقدات المضلّة المخالفة له.
بما أنّه لا يوجد أيّ تضادّ بين هذه التّفاسير، وسياقها ضمن المفهوم العامّ لعبارة إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ فلا داعي لحصر مصاديقها في بعد واحد، خصوصا وإنّ لَحافِظُونَ ذكرت بصيغة مطلقة، وليس هناك ما يخصّصها.
الحقّ- وفقا لظاهر الآية المذكورة- فقد وعد اللّه تعالى بحفظ القرآن من جميع النّواحي: من التّحريف، من التّلف والضّياع، ومن سفسطات الأعداء المزاجيّة ووساوسهم الشّيطانيّة.
أمّا ما احتمله بعض قدماء المفسّرين بأنّه الحفظ على شخص النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، باعتبار أنّ ضمير (له) في الآية يعود إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، بدلالة إطلاق لفظة (الذّكر) على شخص النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في بعض الآيات، فهو احتمال يتعارض مع سياق الآيات السّابقة الّتي عنت ب (الذّكر) القرآن، بالإضافة إلى إشارة الآية المقبلة لهذا المعنى. [ثمّ أطال البحث حول عدم تحريف القرآن فلاحظ] (8: 20 - 30)
فضل اللّه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ الّذي تواجهون آياته بأساليب السّخريّة، دون وعي أو مسؤوليّة، لأنّكم لم ترتكزوا في موقفكم من الرّسالة على موقع التّأمّل والتّدبّر، لتعرفوا عمق الإعجاز فيه، وتلتفتوا إلى أنّ اللّه هو الّذي أنزل آياته لتكون نورا وهدى للنّاس، وأنّ البشر لا يمكن أن يأتوا بسورة من مثله، لأنّ خصائصه الإبداعيّة شكلا ومضمونا فوق قدرتهم، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من الضّياع ومن التّحريف، ليبقى وثيقة إلهيّة معصومة، يرجع النّاس إليها في كلّ جيل عند ما تشتبه الأمور، وتضطرب الأفكار، وتختلط المفاهيم وتتحرّك التّيّارات المضادّة أو التّحريفيّة، وتكثر الأكاذيب على صاحب الرّسالة.
فإنّ القرآن يبقى المرجع المعصوم الّذي يمثّل الحقيقة