فهرس الكتاب

الصفحة 7967 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 754

واختلفوا في أنّ الحفظة هل يتجدّدون كلّ يوم وليلة أم لا؟

فقيل: إنّهم يتجدّدون وملائكة اللّيل غير ملائكة النّهار دائما إلى الموت. وقيل: إنّ ملائكة اللّيل يذهبون فتأتي ملائكة النّهار، ثمّ إذا جاء اللّيل ذهبوا ونزل ملائكة اللّيل الأوّلون لا غيرهم، وهكذا. وقيل: إنّ ملائكة الحسنات يتجدّدون دون ملائكة السّيّئات، وهو الّذي يقتضيه حسن الظّنّ باللّه تعالى.

واختلف في مقرّهم بعد موت المكلّف، فقيل:

يرجعون مطلقا إلى معابدهم في السّماء، وقيل: يبقون حذاء قبر المؤمن يستغفرون له حتّى يقوم من قبره.

وصحّح غير واحد أنّ كاتب الحسنات لا ينحصر في واحد، لحديث رأيت كذا وكذا، يبتدرونها أيّهم يكتبها أوّل.

والحكمة في هؤلاء الحفظة أنّ المكلّف إذا علم أنّ أعماله تحفظ عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد، كان ذلك أزجر له عن تعاطي المعاصي والقبائح، وأنّ العبد إذا وثق بلطف سيّده واعتمد على ستره وعفوه، لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطّلعين عليه.

وقول الإمام: يحتمل أن تكون الفائدة في الكتابة أن توزن تلك الصّحائف يوم القيامة، لأنّ وزن الأعمال غير ممكن بخلاف وزن الصّحائف، فإنّه ممكن، ليس بشي ء، كما لا يخفى، والقول بوزن الصّحائف أنفسها قول لبعضهم.

رشيد رضا: وأمّا إرسال الحفظة على النّاس، فمعناه إرسالهم مراقبين عليهم من حيث لا يشعرون- كمراقبة رجال الشّرطة السّرّيّة في حكومات عصرنا- محصين لأعمالهم بكتابتها وحفظها في الصّحف الّتي تنشر يوم الحساب، وهي المرادة بقوله تعالى: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ التّكوير: 10، وهؤلاء الحفظة هم الملائكة الّذين قال اللّه تعالى فيهم: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِرامًا كاتِبِينَ* يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ الانفطار: 10 - 12.

ولم يرد في كلام اللّه وكلام رسوله بيان تفصيليّ لصفة هذه الكتابة، فنؤمن بها كما نؤمن بكتابة اللّه تعالى لمقادير السّماوات والأرض، ولا نتحكّم فيها بآرائنا، وأمثل ما أوّلت به: أنّها عبارة عن تأثير الأعمال في النّفس، وأنّه يكون بفعل الملائكة.

وقيل: إنّ الحفظة من الملائكة غير الكاتبين للأعمال، وهم المعقّبات، في قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الرّعد: 11.

قيل: إنّهم ملائكة يحفظونه من الجنّ والشّياطين، وقيل: من كلّ ضرر يكون عرضة له لم يكن مقدّرا أن يصيبه، فإذا جاء القدر تخلّوا عنه. ولكن لم يصحّ في ذلك شي ء يعتدّ به. [إلى أن قال:]

وليس عندنا من الأحاديث الصّحاح في هذه المسألة إلّا حديث أبي هريرة في الصّحيحين وغيرهما مرفوعا"يتعاقبون فيكم ملائكة باللّيل وملائكة بالنّهار، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثمّ يعرج الّذين باتوا فيكم، فيسألهم ربّهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلّون وأتيناهم وهم يصلّون". وروي بلفظ"و الملائكة يتعاقبون فيكم"بواو وبغير واو، لكن لم يرد ذلك في تفسير آية الرّعد. فإذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت