فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 755
كان هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكاتبين فلا محلّ لاختلاف العلماء في تجدّدهم وتعاقبهم.
وذكروا من الحكمة في كتابة الأعمال وحفظها على العاملين أنّ المكلّف إذا علم أنّ أعماله تحفظ عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد، كان ذلك أزجر له عن الفواحش والمنكرات، وأبعث له على التزام الأعمال الصّالحات. فإن لم يصل إلى مقام العلم الرّاسخ الّذي يثمر الخشية للّه عزّ وجلّ، والمعرفة الكاملة الّتي تثمر الحياء منه سبحانه والمراقبة له، يغلب عليهم الغرور بالكرم الإلهيّ، والرّجاء في مغفرته ورحمته تعالى، فلا يكون لديهم من خشيته والحياء منه ما يزجرهم عن معصيته، كما يزجرهم توقّع الفضيحة في موقف الحساب، على أعين الخلائق وأسماعهم.
وزاد الرّازيّ احتمال أن تكون فائدتها أن توزن تلك الصّحف، لأنّ وزنها ممكن ووزن الأعمال غير ممكن. كذا قال، وهو احتمال ضعيف بل لا قيمة له، لأنّه مبنيّ على تشبيه وزن اللّه للأمور المعنويّة بوزن البشر للأثقال الجسميّة.
أمّا بيان هذه الحكمة على الطّريقة الّتي جرينا عليها في بيان حكمة مقادير الخلق، فتعلم ممّا مرّ هنالك، وأمّا على طريقة من يقولون: إنّ المراد بكتابة الأعمال: حفظ صورها وآثارها في النّفس، فهي أنّها تكون المظهر الأتمّ الأجلى لحجّة اللّه البالغة، فإذا وضع كتاب كلّ أحد يوم الحساب، ونشرت صحفه المطويّة في سريرة نفسه، تعرض عليه أعماله فيها بصورها ومعانيها، فتتمثّل لذاكرته ولحسّه الظّاهر والباطن كما عملها في الدّنيا، لا يفوته شي ء من صفاتها الحسّيّة ولا المعنويّة- كاللّذّة والألم- فيكون حسيبا على نفسه، وعلى عين اليقين من عدل اللّه وفضله، وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا* اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا الإسراء: 13، 14.
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا الكهف: 49. (7: 481)
نحوه المراغيّ. (7: 147)
مغنيّة: وهؤلاء الحفظة من الملائكة، قال تعالى:
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِرامًا كاتِبِينَ* يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ الإنفطار: 10 - 12، ونحن نؤمن بذلك، لأنّ الوحي أخبر عنه، والعقل لا يأباه، ولم يرد في كلام اللّه ولا في كلام الرّسول بيان لصفة الكاتب والكتابة، والعقل لا يلزم البحث والسّؤال عنهما، فندعهما لعلم اللّه تعالى.
أمّا من شبّه الملائكة الكاتبين برجال الشّرطة السّرّيّة، كما في تفسير المنار والمراغيّ، أمّا هذا التّشبيه فهو من قياس الغيب على الشّهادة، والسّماء على الأرض، مع وجود الفارق البعيد. (3: 202)
الطّباطبائيّ: إطلاق إرسال الحفظة من غير تقييد لا في الإرسال ولا في الحفظة، ثمّ جعله مغيّا بمجي ء الموت، لا يخلو عن دلالة على أنّ هؤلاء الحفظة المرسلين شأنهم حفظ الإنسان من كلّ بليّة تتوجّه إليه ومصيبة تتوخّاه، وآفة تقصده، فإنّ النّشأة الّتي نحن فيها نشأة التّفاعل والتّزاحم، ما فيه من شي ء إلّا وهو مبتلى بمزاحمة غيره