فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 758
وتقرير ربّانيّ بأنّ اللّه تعالى يصرف الآيات القرآنيّة ويقلب فيها وجوه الكلام، تبيانا للنّاس الّذين يحبّون أن يعلموا ويتبيّنوا الأمور حتّى يقولوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: قد قرأت وكرّرت وبلّغت وبيّنت كلّ شي ء، وعلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك أن يتّبع ما يوحى إليه من ربّه الّذي لا إله إلّا هو، وأن يلتزم الحدود المرسومة له، وألّا يبالي بالمشركين إذا أصرّوا على شركهم، فلو شاء اللّه ما أشركوا، لأنّ في قدرته إجبارهم على الهدى، وإنّما تركهم لاختيارهم ليظهر الطّيّب من الخبيث، وسليم القلب الرّاغب في الهدى من سيّئ النّيّة المتعمّد المكابرة والتّكذيب. ولم يجعله اللّه مسيطرا عليهم ولا مسؤولا عنهم. (4: 199)
الطّباطبائيّ: إنّ المراد بالحفظ عليهم: رجوع أمر نفوسهم وتدبير قلوبهم إليه، فهو إنّما ينفي كونه حفيظا عليهم تكوينا، وإنّما هو ناصح لهم.
والآية كالمعترضة بين الآيات السّابقة والآية اللّاحقة، وهو خطاب منه تعالى عن لسان نبيّه كالرّسول يأتي بالرّسالة إلى قوم فيؤدّيها إليهم، وفي خلال ما يؤدّيه يكلّمهم من نفسه بما يهيّجهم للسّمع والطّاعة، ويحثّهم على الانقياد بإظهار النّصح، ونفي الأغراض الفاسدة عن نفسه. (7: 303)
عبد الكريم الخطيب: أي ليس على النّبيّ إلّا أن يعرض هذه البصائر الّتي تلقّاها من ربّه، ثمّ إنّه ليس عليه بعد هذا أن يتولّى حراسة النّاس وحمايتهم من أهوائهم الغالبة، ونزعاتهم المستبدّة، فهذا نور اللّه بين أيديهم، وفي مواجهة أبصارهم، فمن أبصر فلنفسه، ومن عمي فعليها، واللّه سبحانه وتعالى يقول: أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ يونس: 43. (4: 255)
مكارم الشّيرازيّ: للمفسّرين احتمالان:
الأوّل: إنّي لست أنا المسؤول عن مراقبتكم والمحافظة عليكم وملاحظة أعمالكم، فاللّه هو الّذي يحافظ على الجميع، وهو الّذي يعاقب ويثيب الجميع، إنّ واجبي لا يتعدّى إبلاغ الرّسالة وبذل الجهد لهداية النّاس.
والاحتمال الآخر: أنا لست مأمورا موكّلا بكم لأحملكم بالجبر والإكراه على قبول الإيمان، إنّما واجبي هو أن أدعوكم إلى ذلك بتبيان الحقائق بالمنطق والحجّة، وأنتم الّذين تتّخذون قراركم النّهائيّ. وليس ما يمنع من انطواء العبارة على كلا المعنيين. (4: 388)
فضل اللّه: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وتلك هي مهمّة النّبيّ، فهو لم يأت ليفتح قلوب النّاس على الهدى، بالقوّة والمعجزة، بل جاء ليقدّم لهم الدّلائل والبيّنات الّتي تفتح عقولهم على الحقّ، بالفكر والتّأمّل والإرادة الواعية المتحرّكة في خطّ الإيمان، وتلك هي مهمّة الدّعاة إلى اللّه في كلّ زمان ومكان، الكلمة الهادية، والأسلوب المشرق، والجوّ الهادئ الّذي يوحي بالفكر والموضوعيّة، ويقود إلى الإيمان من أقرب طريق.
وربّما أريد من هذه الفقرة، أنّ النّبيّ ليس مسؤولا عن مراقبتهم والمحافظة عليهم، ولا الإشراف على أعمالهم ومحاسبتهم وثوابهم وعقابهم، فإنّ اللّه هو الّذي يتولّى ذلك كلّه، وليست مهمّة النّبيّ إلّا إبلاغ الرّسالة بكلّ الوسائل الّتي يملكها، ممّا يبذله من جهد الدّعوة والإقناع.
وهذه هي مهمّة الدّاعية في حركة الدّعوة إلى اللّه بتلاوة آيات اللّه وإبلاغ رسالته، وتبقى المهمّة- في الدّنيا- في