فهرس الكتاب

الصفحة 7978 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 764

هذا الطّريق واجبا عليه، ولمّا كان واجبا سقطت الأسئلة بالكلّيّة.

وأمّا ترك الاستثناء فقال الواحديّ: كان ذلك من خطيئة أوجبت عقوبة، وهي أنّه تعالى أخّر عنه حصول ذلك المقصود سنة.

وأقول: لعلّ السّبب فيه أنّه لو ذكر هذا الاستثناء لا عتقد فيه الملك أنّه إنّما ذكره لعلمه بأنّه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي، فلأجل هذا المعنى ترك الاستثناء.

وأمّا قوله: لم مدح نفسه؟ فجوابه من وجوه:

الأوّل: لا نسلّم أنّه مدح نفسه، لكنّه بيّن كونه موصوفا بهاتين الصّفتين النّافعتين، في حصول هذا المطلوب، وبين البابين فرق، وكأنّه قد غلب على ظنّه أنّه يحتاج إلى ذكر هذا الوصف، لأنّ الملك وإن علم كماله في علوم الدّين، لكنّه ما كان عالما بأنّه يفي بهذا الأمر.

ثمّ نقول: هب أنّه مدح نفسه إلّا أنّ مدح النّفس إنّما يكون مذموما إذا قصد الرّجل به التّطاول والتّفاخر، والتّوصّل إلى غير ما يحلّ، فأمّا على غير هذا الوجه فلا نسلّم أنّه محرّم، فقوله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ النّجم: 32، المراد منه: تزكية النّفس حال ما يعلم كونها غير متزكّية، والدّليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية:

هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى. أمّا إذا كان الإنسان عالما بأنّه صدق وحقّ، فهذا غير ممنوع منه، واللّه أعلم.

قوله: ما الفائدة في وصفه نفسه بأنّه حفيظ عليم؟

قلنا: إنّه جار مجرى أن يقول: حفيظ بجميع الوجوه الّتي منها يمكن تحصيل الدّخل والمال. عليم بالجهات الّتي تصلح لأن يصرف المال إليها. ويقال: حفيظ بجميع مصالح النّاس، عليم بجهات حاجاتهم، أو يقال: حفيظ لوجوه أياديك وكرمك، عليم بوجوب مقابلتها بالطّاعة والخضوع. وهذا باب واسع يمكن تكثيره لمن أراده. (18: 160)

نحوه النّيسابوريّ (13: 19) ، والشّربينيّ (2: 116) .

ابن كثير: أي خازن أمين. (4: 34)

البروسويّ: أي حافظ نفسي فيها عمّا يضرّها، عليم بنفعها وضرّها، واستعمالها فيما ينفع ولا يضرّ.

الآلوسيّ: [ذكر بعض الأقوال ثمّ قال:]

وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحقّ إذا جهل أمره، وجواز طلب الولاية إذا كان الطّالب ممّن يقدر على إقامة العدل، وإجراء أحكام الشّريعة وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وربّما يجب عليه الطّلب إذا توقّف على ولايته إقامة واجب مثلا، وكان متعيّنا لذلك.

المراغيّ: أي إنّي شديد الحفظ لما يخزن فيها، فلا يضيع منه شي ء، أو يوضع في غير موضعه، عليم بوجوه تصريفه وحسن الانتفاع به. (13: 6)

ابن عاشور: علّل طلبه ذلك بقوله: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ المفيد تعليل ما قبلها، لوقوع (انّ) في صدر الجملة، فإنّه علم أنّه اتّصف بصفتين يعسر حصول إحداهما في النّاس بل كلتيهما، وهما: الحفظ لما يليه، والعلم بتدبير ما يتولّاه، ليعلم الملك أنّ مكانته لديه وائتمانه إيّاه قد صادفا محلّهما وأهلهما، وأنّه حقيق بهما، لأنّه متّصف بما يفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت