فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 805
ولا يفعل بكم ما يفعل بالمشركين؛ مراعاة لما رأى اللّه من المصلحة في الإبقاء عليكم، فهو أذن كما قلتم، إلّا أنّه أذن خير لكم لا أذن سوء، فسلّم لهم قولهم فيه إلّا أنّه فسّر بما هو مدح له وثناء عليه، وإن كانوا قصدوا به المذمّة والتّقصير بفطنته وشهامته، وأنّه من أهل سلامة القلوب والعزّة.
وقيل: إنّ جماعة منهم ذمّوه- صلوات اللّه عليه وسلامه- وبلغه ذلك فاشتغلت قلوبهم، فقال بعضهم:
لا عليكم فإنّما هو أذن سامعة قد سمع كلام المبلّغ فأذي، ونحن نأتيه ونعتذر إليه، فيسمع عذرنا أيضا فيرضى.
فقيل: هو أذن خير لكم.
وقرئ (اذن خير لكم) على أنّ (اذن) خبر مبتدإ محذوف، و (خير) كذلك، أي هو أذن هو خير لكم، يعني إن كان كما تقولون فهو خير لكم، لأنّه يقبل معاذيركم ولا يكافئكم على سوء دخلتكم. وقرأ نافع بتخفيف الذّال. (2: 199)
الفخر الرّازيّ: اعلم أنّه تعالى حكى أنّ من المنافقين من يؤذي النّبيّ، ثمّ فسّر ذلك الإيذاء بأنّهم يقولون للنّبيّ: إنّه أذن، وغرضهم منه أنّه ليس له ذكاء ولا بعد غور، بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكلّ ما يسمع، فلهذا السّبب سمّوه بأنّه أذن، كما أنّ الجاسوس يسمّى بالعين، يقال: جعل فلان علينا عينا، أي جاسوسا متفحّصا عن الأمور، فكذا هاهنا.
ثمّ إنّه تعالى أجاب عنه بقوله: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ والتّقدير: هب أنّه أذن؛ لكنّه خير لكم. وقوله: (اذن خير) مثل ما يقال: فلان رجل صدق وشاهد عدل، ثمّ بيّن كونه (اذن خير) بقوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ جعل تعالى هذه الثّلاثة كالموجبة لكونه عليه الصّلاة والسّلام أُذُنُ خَيْرٍ. فلنبيّن كيفيّة اقتضاء هذه المعاني لتلك الخيريّة.
أمّا الأوّل وهو قوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ فلأنّ كلّ من آمن باللّه كان خائفا من اللّه، والخائف من اللّه لا يقدم على الإيذاء بالباطل.
وأمّا الثّاني وهو قوله: وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ فالمعنى أنّه يسلم للمؤمنين قولهم، والمعنى أنّهم إذا توافقوا على قول واحد، سلم لهم ذلك القول، وهذا ينافي كونه سليم القلب سريع الاغترار ... (16: 116)
الآلوسيّ: هي في الأصل اسم للجارحة، وإطلاقها على الشّخص بالمعنى المذكور- كما يؤيّده بعض الرّوايات- من باب المجاز المرسل على ما في"المفتاح"، كإطلاق العين على ربيئة القوم؛ حيث كانت العين هي المقصودة منه. وصرّح غير واحد أنّ ذلك من إطلاق الجزء على الكلّ للمبالغة. [ثمّ استشهد بشعر]
وقيل: إنّه مجاز عقليّ كرجل عدل، وفيه نظر.
والمبالغة هنا على ما قيل: في أنّه يسمع كلّ قول، باعتبار أنّه يصدّقه لا في مجرّد السّماع، وما قيل: إنّ مرادهم بكونه عليه السّلام أذنا تصديقه بكلّ ما يسمع من غير فرق بين ما يليق بالقبول لمساعدة أمارات الصّدق له وبين ما لا يليق به، فليس من قبيل إطلاق العين على الرّبيئة.
ولذا جعله بعضهم من قبيل التّشبيه بالأذن في أنّه ليس فيه وراء الاستماع تمييز حقّ عن باطل، ليس بشي ء يعتدّ به. وقيل: إنّه على تقدير مضاف، أي ذو