فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 783
ثمّ لمّا كانت حقوق الآدميّين منها ما يتعلّق بالحياة وقد ذكره، ومنها ما يتعلّق بالممات، ذكره بعده في قوله:
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً البقرة: 240، الآية.
والخطاب ب (حافظوا) لجميع المؤمنين وهل يعمّ الكافرين؟ فيه خلاف. و (حافظوا) من باب طارقت النّعل، ولمّا ضمّن معنى التّكرار والمواظبة عدّي ب (على) .
وقد رام بعضهم أن يبقى"فاعل"على معناها الأكثر فيها من الاشتراك بين اثنين، فجعل المحافظة بين العبد وبين الرّبّ، كأنّه قيل: احفظ هذه الصّلاة يحفظك اللّه الّذي أمر بها، ومعنى المحافظة هنا: دوام ذكرها، أو الدّوام على تعجيلها في أوّل أوقاتها، أو إكمال فروضها وسننها، أو جميع ما تقدّم، أقوال أربعة. (2: 239)
الآلوسيّ: أي داوموا على أدائها لأوقاتها من غير إخلال، كما ينبئ عنه صيغة"المفاعلة"المفيدة للمبالغة.
ولعلّ الأمر بها عقيب الحضّ على العفو، والنّهي عن ترك الفضل، لأنّها تهيّئ النّفس لفواضل الملكات، لكونها النّاهية عن الفحشاء والمنكر، أو ليجمع بين التّعظيم لأمر اللّه تعالى، والشّفقة على خلقه.
وقيل: أمر بها في خلال بيان ما تعلّق بالأزواج والأولاد من الأحكام الشّرعيّة المتشابكة، إيذانا بأنّها حقيقة بكمال الاعتناء بشأنها، والمثابرة عليها من غير اشتغال عنها بشأن أولئك، فكأنّه قيل: لا يشغلنّكم التّعلّق بالنّساء وأحوالهنّ، وتوجّهوا إلى مولاكم بالمحافظة على ما هو عماد الدّين، ومعراج المؤمنين. (2: 155)
رشيد رضا: قال بعض المفسّرين في وجه اختيار لفظ المحافظة على الحفظ: إنّ الصّيغة على أصلها تفيد المشاركة في الحفظ، وهي هنا بين العبد وربّه، كأنّه قيل:
احفظ الصّلاة يحفظك اللّه الّذي أمرك بها، كقوله:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ البقرة: 152، أو بين المصلّي والصّلاة نفسها، أي احفظوها تحفظكم من الفحشاء والمنكر بتنزيه نفوسكم عنهما، ومن البلاء والمحن بتقوية نفوسكم عليهما، كما قال: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ.
وقال الأستاذ الإمام: قال: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ولم يقل: احفظوها، لأنّ"المفاعلة"تدلّ على المنازعة والمقاومة، ولا يظهر قول بعضهم: إنّ"المفاعلة"للمشاركة، لأنّ الصّلاة تحفظه كما يحفظها، إلّا لو كانت العبارة: حافظوا الصّلوات، ولكنّه قال: عَلَى الصَّلَواتِ، أي اجتهدوا في حفظها والمداومة عليها انتهى. ولا يريد الأستاذ بهذا أنّ الصّلاة لا تحفظ ممّا ذكر، وإنّما يريد أنّ لفظ (حافظوا) لا يدلّ على هذا المعنى الثّابت في نفسه.
والّذي أفهمه في"المفاعلة"على الشّي ء هو فعله المرّة بعد المرّة، ومنه حافظ عليه وواظب عليه وداوم عليه، إلّا إذا كانت (على) للتّعليل، كقاتله على الأمر، أي لأجله، فالمقاتلة فيه للمشاركة، ولا يصحّ هنا. وحفظ الصّلاة المرّة بعد المرّة على الاستمرار عبارة عن الإتيان بها كلّ مرّة كاملة الشّرائط والأركان العمليّة، كاملة الآداب والمعاني القلبيّة، فالشّي ء الّذي يتعاهد بالحفظ دائما هو الّذي لا يلحقه النّقص، وإلّا لم يكن محفوظا دائما. (2: 436)