المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 12، ص: 831
ب"عن"فلمّا وضع قوله: (حفىّ) موضع السّؤال، وصله ب"عن"، وتقديره: كأنّك حفيّ بالمسألة عنها، أو تسأل عنها فتعلمها. (2: 506)
الفخر الرّازيّ: في"الحفيّ"وجوه:
الأوّل: الحفيّ: البارّ اللّطيف. قال ابن الأعرابيّ: يقال:
حفي بي حفاوة وتحفّى بي تحفّيا. والحفيّ: الكلام واللّقاء الحسن، ومنه قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا أي بارّا لطيفا يجيب دعائي إذا دعوته. فعلى هذا التّقدير:
يسألونك كأنّك بارّ بهم لطيف العشرة معهم، وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسّدّيّ.
ويؤيّد هذا القول ما روي في تفسيره: إنّ قريشا قالت لمحمّد عليه السّلام: إنّ بيننا وبينك قرابة، فاذكر لنا متى السّاعة؟ فقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها أي كأنّك صديق لهم بارّ، بمعنى أنّك لا تكون حفيّا بهم ما داموا على كفرهم.
القول الثّاني: حَفِيٌّ عَنْها أي كثير السّؤال عنها، شديد الطّلب لمعرفتها. وعلى هذا القول (حفىّ) "فعيل"من الإحفاء، وهو الإلحاح والإلحاف في السّؤال، ومن أكثر السّؤال والبحث عن الشّي ء علمه.
قال أبو عبيدة: هو من قولهم: تحفّى في المسألة، أي استقصى، فقوله: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، أي كأنّك أكثرت السّؤال عنها، وبالغت في طلب علمها.
قال صاحب"الكشّاف": هذا التّرتيب يفيد المبالغة، ومنه إحفاء الشّارب، وإحفاء البقل: استئصاله، وأحفى في المسألة، إذا ألحف، وحفي بفلان وتحفّى به: بالغ في البرّ به؛ وعلى هذا التّقدير: فالقولان الأوّلان متقاربان. (15: 81)
القرطبيّ: أي عالم بها، كثير السّؤال عنها. [إلى أن قال:]
قال محمّد بن يزيد: المعنى يسألونك كأنّك حفيّ بالمسألة عنها، أي ملحّ، يذهب إلى أنّه ليس في الكلام تقديم وتأخير.
وقال ابن عبّاس وغيره: هو على التّقديم والتّأخير، والمعنى: يسألونك عنها كأنّك حفيّ بهم، أي حفيّ ببرّهم وفرح بسؤالهم؛ وذلك لأنّهم قالوا: بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا بوقت السّاعة. (7: 336)
البيضاويّ: عالم بها"فعيل"من حفي عن الشّي ء، إذا سأل. فإنّ من بالغ في السّؤال عن الشّي ء والبحث عنه استحكم علمه به، ولذلك عدّي ب"عن".
وقيل: هي صلة (يسئلونك) .
وقيل: هو من الحفاوة بمعنى الشّفقة، فإنّ قريشا قالوا له: إنّ بيننا وبينك قرابة فقل لنا: متى السّاعة؟ والمعنى يسألونك عنها كأنّك حفيّ تتحفّى بهم، فتخصّهم لأجل قرابتهم بتعليم وقتها.
وقيل: معناه كأنّك حفيّ، من حفي بالشّي ء، إذا فرح، ومعناه كأنّك حفيّ بالسّؤال عنها تحبّه، أي تكثره وأنت تكرهه، ولأنّه من الغيب الّذي استأثر اللّه بعلمه.
نحوه أبو السّعود (3: 63) ، والبروسويّ (3: 292) .
أبو حيّان: [نقل الأقوال ثمّ قال:]
أي تحبّه وتؤثره، أو بمعنى أنّك تكره السّؤال لأنّها من علم الغيب الّذي استأثر اللّه به، ولم يؤته أحدا. [إلى أن قال:]