فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 818

في: آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ أي نابذتكم وعاديتكم وأعلمتكم ذلك، فاستوينا في العلم، ومثله فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ الأنفال: 58، وأنّ الإيذان على السّواء:

الدّعاء إلى الحرب مجاهرة، وأنّ آذن منقول من أذن بمعنى علم، لكنّه كثيرا ما يجري مجرى الإنذار، مثل فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ، لاحظ النّصوص.

وخامسا: في قوله: (اذنّاك) أيضا اختلفت أقوالهم:

أعلمناك، أطعناك، أقررنا لك، أخبرناك، كما اختلفوا في من هم القائلون: (اذنّاك) ، وفي أنّه إخبار أو إنشاء، ولا يتيسّر ترجيح قول من الأقوال إلّا في ضوء فهم الآية كلّها. فالخطاب موجّه إلى المشركين يوم القيامة:

وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ* وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ فصّلت: 47، 48.

وسياق الآيات في السّورة نفس السّياق. والآية بدأت بقوله: يَوْمَ يُنادِيهِمْ والنّداء هو الصّوت العالي، تخويفا وتبكيتا لهم، أو إيماء إلى أنّهم لا يزالون صمّا عميا كما كانوا في الدّنيا وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا الإسراء: 72.

ومعلوم أنّ الاستفهام توبيخيّ، فالقائلون هم المشركون، وإليهم ترجع ضمائر الجمع كلّها، فهم يعلنون بصوت عال ردّا وإجابة على النّداء الإلهيّ ومتناسقا لإنذاره: ليس أحد منّا الآن يشهد بالشّركاء، ناسين ما كانوا يدعون من قبل.

فالرّاجح عندنا أنّه بمعنى الإعلان بالصّوت العالي إنذارا وإنكارا لما كانوا يشركون به من قبل، فردّ اللّه عليهم بقوله: وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ فصّلت: 48.

وسادسا: جاء في آيتين فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ

أحدهما: في قصّة الأعراف ومناداة أصحاب الجنّة وأصحاب النّار؛ فالتّأذين هنا بمعنى الإعلام بصوت عال مجاراة للنّداء المكرّر من قبل الفريقين، وسياقه سياق الإنذار والتّهويل. وقد قيل: إنّ التّأذين هو النّداء نفسه.

وعن سيبويه: أذّن: نادى وصاح.

وثانيهما: في قصّة إخوة يوسف وهو أيضا بمعنى النّداء بصوت عال إنذارا وتخويفا.

وسابعا: التّأذين في: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ هو النّداء الموجّه إلى النّاس جهارا، وليس فيه إنذار وتخويف إلّا من أجل إشعاره بأنّ الحجّ بمكان من العظمة والأهميّة عند اللّه، حتّى أنّ تاركه ينبغي إيذانه بالحرب، ويؤيّده قوله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ آل عمران: 97.

وثامنا: جاء في مفتتح سورة التّوبة: أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ بعد بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ في سياق واحد، بحذف الابتداء فيهما، كما هو المعتاد في الشّعائر أحدهما يكمّل الآخر، فالبراءة سياقه سياق الإعلان والشّعار، فهو أذان معنى، والأذان بالبراءة تصريح وإجهار بها، وكلاهما من اللّه ورسوله.

والأوّل خطاب إلى المؤمنين، والثّاني إلى النّاس عامّة، وفيه تعظيم للمؤمنين؛ حيث لم يصرّح في خطابهم بالإنذار بخلاف النّاس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت