فهرس الكتاب

الصفحة 8345 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 254

ابن عطيّة: اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى:

وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ، فقالت جماعة: المراد اليهود بالكافرين والظّالمين والفاسقين، وروي في هذا حديث عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من طريق البراء بن عازب. وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم: الآية متناولة كلّ من لم يحكم بما أنزل اللّه، ولكنّه في أمراء هذه الأمّه كفر معصية، لا يخرجهم عن الإيمان.

وقيل لحذيفة بن اليمان: أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل؟ فقال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم كلّ حلوة ولهم كلّ مرّة، لتسلكنّ طريقهم قدّ الشّراك. [ثمّ نقل كلام الشّعبيّ وقال:] ولا أعلم بهذا التّخصيص وجها، إلّا إن صحّ فيه حديث عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، إلّا أنّه راعى من ذكر مع كلّ خبر من هذه الثّلاثة، فلا يترتّب له ما ذكر في المسلمين، إلّا على أنّهم خوطبوا بقوله: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ. (2: 196)

الفخر الرّازيّ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: المقصود من هذا الكلام تهديد اليهود في إقدامهم على تحريف حكم اللّه تعالى في حدّ الزّاني المحصن، يعني أنّهم لمّا أنكروا حكم اللّه المنصوص عليه في التّوراة، وقالوا: إنّه غير واجب، فهم كافرون على الإطلاق، لا يستحقّون اسم الإيمان لا بموسى والتّوراة، ولا بمحمّد والقرآن.

المسألة الثّانية: قالت الخوارج: كلّ من عصى اللّه فهو كافر. وقال جمهور الأئمّة: ليس الأمر كذلك. أمّا الخوارج فقد احتجّوا بهذه الآية، وقالوا: إنّها نصّ في أنّ كلّ من حكم بغير ما أنزل اللّه فهو كافر، وكلّ من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل اللّه، فوجب أن يكون كافرا.

وذكر المتكلّمون والمفسّرون أجوبة عن هذه الشّبهة:

الأوّل: أنّ هذه الآية نزلت في اليهود فتكون مختصّة بهم، وهذا ضعيف، لأنّ الاعتبار بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب. ومنهم من حاول دفع هذا السّؤال فقال: المراد ومن لم يحكم من هؤلاء الّذين سبق ذكرهم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون، وهذا أيضا ضعيف، لأنّ قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ كلام أدخل فيه كلمة (من) في معرض الشّرط، فيكون للعموم.

وقول من يقول: المراد ومن لم يحكم بما أنزل اللّه من الّذين سبق ذكرهم، فهو زيادة في النّصّ، وذلك غير جائز.

الثّاني: قال عطاء: هو كفر دون كفر. وقال طاووس: ليس بكفر ينقل عن الملّة كمن يكفر باللّه واليوم الآخر، فكأنّهم حملوا الآية على كفر النّعمة لا على كفر الدّين، وهو أيضا ضعيف، لأنّ لفظ الكفر إذا أقلق انصرف إلى الكفر في الدّين.

والثّالث: قال ابن الأنباريّ: يجوز أن يكون المعنى:

ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفّار، ويشبه من أجل ذلك الكافرين، وهذا ضعيف أيضا، لأنّه عدول عن الظّاهر.

والرّابع: قال عبد العزيز بن يحيى الكنانيّ: قوله:

بِما أَنْزَلَ اللَّهُ صيغة عموم، فقوله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت