فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 255
بِما أَنْزَلَ اللَّهُ معناه من أتى بضدّ حكم اللّه تعالى في كلّ ما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون، وهذا حقّ، لأنّ الكافر هو الّذي أتى بضدّ حكم اللّه تعالى في كلّ ما أنزل اللّه. أمّا الفاسق فإنّه لم يأت بضدّ حكم اللّه إلّا في القليل، وهو العمل، أمّا في الاعتقاد والإقرار فهو موافق، وهذا أيضا ضعيف، لأنّه لو كانت هذه الآية وعيدا مخصوصا بمن خالف حكم اللّه تعالى في كلّ ما أنزل اللّه تعالى، لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفتهم حكم اللّه في الرّجم، وأجمع المفسّرون على أنّ هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم اللّه تعالى في واقعة الرّجم، فيدلّ على سقوط هذا الجواب.
والخامس: قال عكرمة: قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إنّما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أمّا من عرف بقلبه كونه حكم اللّه، وأقرّ بلسانه كونه حكم اللّه، إلّا أنّه أتى بما يضادّه فهو حاكم بما أنزل اللّه تعالى، ولكنّه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصّحيح، واللّه أعلم. (12: 5)
القرطبيّ: [نقل قول ابن عبّاس ومجاهد ثمّ قال:]
فالآية عامّة على هذا ... وقيل: أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل اللّه فهو كافر، فأمّا من حكم بالتّوحيد ولم يحكم ببعض الشّرائع فلا يدخل في هذه الآية.
والصّحيح الأوّل، إلّا أنّ الشّعبيّ قال: هي في اليهود خاصّة، واختاره النّحّاس، قال: ويدلّ على ذلك ثلاثة أشياء: منها أنّ اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله:
لِلَّذِينَ هادُوا، فعاد الضّمير عليهم، ومنها أنّ سياق الكلام يدلّ على ذلك، ألا ترى أنّ بعده وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ، فهذا الضّمير لليهود بإجماع، وأيضا فإنّ اليهود هم الّذين أنكروا الرّجم والقصاص.
فإن قال قائل: (من) إذا كانت للمجازاة فهي عامّة، إلّا أن يقع دليل على تخصيصها؟
قيل له: (من) هنا بمعنى"الّذي"مع ما ذكرناه من الأدلّة، والتّقدير واليهود الّذين لم يحكموا بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون، فهذا من أحسن ما قيل في هذا.
ويروى أنّ حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل؟ قال: نعم هي فيهم، ولتسلكنّ سبيلهم حذو النّعل بالنّعل. وقيل: (الكافرون) للمسلمين.
و (الظّالمون) لليهود، و (الفاسقون) للنّصارى، وهذا اختيار أبي بكر بن العربيّ، قال: لأنّه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عبّاس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة والشّعبيّ أيضا. قال طاووس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملّة، ولكنّه كفر دون كفر، وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنّه من عند اللّه فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية، فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السّنّة في الغفران للمذنبين.
البيضاويّ: مستهينا به منكرا له فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ لاستهانتهم به، وتمرّدهم بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم بقوله: (الكافرون) ، و (الظّالمون) ، و (الفاسقون) ، فكفرهم لإنكاره، وظلمهم بالحكم على خلافه، وفسقهم بالخروج عنه. ويجوز أن يكون كلّ