فهرس الكتاب

الصفحة 8348 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 257

أنزل اللّه.

فأمّا القضيّة الأولى: فالّذين يكفّرون مرتكب الكبيرة يأخذون بظاهر هذا، لأنّ الجور في الحكم كبيرة، والكبيرة كفر عندهم. وعبّروا عنه بكفر نعمة يشاركه في ذلك جميع الكبائر، وهذا مذهب باطل كما قرّرناه غير مرّة. وأمّا جمهور المسلمين وهم أهل السّنّة من الصّحابة فمن بعدهم فهي عندهم قضيّة مجملة، لأنّ ترك الحكم بما أنزل اللّه يقع على أحوال كثيرة، فبيان إجماله بالأدلّة الكثيرة القاضية بعدم التّكفير بالذّنوب، ومساق الآية يبيّن إجمالها، ولذلك قال جمهور العلماء: المراد بمن لم يحكم هنا خصوص اليهود، قاله البراء بن عازب ورواه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أخرجه مسلم في"صحيحه". فعلى هذا تكون (من) موصولة، وهي بمعنى لام العهد، والمعنى عليه: ومن ترك الحكم بما أنزل اللّه تركا مثل هذا التّرك، هو ترك الحكم المشوب بالطّعن في صلاحيّته. وقد عرف اليهود بكثرة مخالفة حكّامهم لأحكام كتابهم، بناء على تغييرهم إيّاها باعتقاد عدم مناسبتها لأحوالهم، كما فعلوا في حدّ الزّنى، فيكون القصر ادّعائيّا، وهو المناسب لسبب نزول الآيات الّتي كانت هذه ذيلا لها، فيكون الموصول لتعريف أصحاب هذه الصّلة وليس معلّلا للخبر. وزيدت"الفاء"في خبره لمشابهته بالشّرط في لزوم خبره له، أي أنّ الّذين عرفوا بهذه الصّفة هم الّذين إن سألت عن الكافرين فهم هم، لأنّهم كفروا وأساءوا الصّنع.

وقال جماعة: المراد من لم يحكم بما أنزل اللّه من ترك الحكم به جحدا له، أو استخفافا به، أو طعنا في حقّيّته بعد ثبوت كونه حكم اللّه بتواتر أو سماعه من رسول اللّه، سمعه المكلّف بنفسه. وهذا مرويّ عن ابن مسعود، وابن عبّاس، ومجاهد، والحسن، ف (من) شرطيّة وترك الحكم مجمل، بيانه في أدلّة أخر. وتحت هذا حالة أخرى، وهي التزام أن لا يحكم بما أنزل اللّه في نفسه، كفعل المسلم الّذي تقام في أرضه الأحكام الشّرعيّة، فيدخل تحت محاكم غير شرعيّة باختياره، فإنّ ذلك الالتزام أشدّ من المخالفة في الجزئيّات، ولا سيّما إذا لم يكن فعله لجلب منفعة دنيويّة. وأعظم منه إلزام النّاس بالحكم بغير ما أنزل اللّه من ولاة الأمور، وهو مراتب متفاوتة، وبعضها قد يلزمه لازم الرّدّة إن دلّ على استخفاف أو تخطئة لحكم اللّه.

وذهب جماعة إلى التّأويل في معنى الكفر، فقيل:

عبّر بالكفر عن المعصية، كما قالت زوجة ثابت بن قيس:"أكره الكفر في الإسلام"أي الزّنى، أي قد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفّار، ولا يليق بالمؤمنين. وروي هذا عن ابن عبّاس. وقال طاووس:"هو كفر دون كفر، وليس كفرا ينقل عن الإيمان". وذلك أنّ الّذي لا يحكم بما أنزل اللّه قد يفعل ذلك لأجل الهوى، وليس ذلك بكفر ولكنّه معصية، وقد يفعله لأنّه لم يره قاطعا في دلالته على الحكم، كما ترك كثير من العلماء الأخذ بظواهر القرآن على وجه التّأويل، وحكموا بمقتضى تأويلها، وهذا كثير.

وهذه الآية والّتي بعدها في شأن الحاكمين. وأمّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت