فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 258
رضى المتحاكمين بحكم اللّه فقد مرّ في قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ النّساء: 65، وبيّنّا وجوهه، وسيأتي في قوله تعالى:
وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ - إلى قوله- بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ في سورة النّور: 48 - 50.
وأمّا القضيّة الثّانية: فالمقصود بالقصر هنا المبالغة في الوصف بهذا الإثم العظيم المعبّر عنه مجازا بالكفر، أو في بلوغهم أقصى درجات الكفر، وهو الكفر الّذي انضمّ إليه الجور وتبديل الأحكام.
واعلم أنّ المراد بالصّلة هنا أو بفعل الشّرط إذ وقعا منفيّين، هو الاتّصاف بنقيضهما، أي ومن حكم بغير ما أنزل اللّه. وهذا تأويل ثالث في الآية، لأنّ الّذي لم يحكم بما أنزل اللّه ولا حكم بغيره، بأن ترك الحكم بين النّاس، أو دعا إلى الصّلح. لا تختلف الأمّة في أنّه ليس بكافر ولا آثم، وإلّا للزم كفر كلّ حاكم في حال عدم مباشرته للحكم، وكفر كلّ من ليس بحاكم. فالمعنى: ومن حكم فلم يحكم بما أنزل اللّه. (5: 115)
الطّباطبائيّ: وأمّا قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ المائدة: 47، فهو تشديد في الأمر المدلول عليه بقوله:"و ليحكم"، وقد كرّر اللّه سبحانه هذه الكلمة للتّشديد ثلاث مرّات: مرّتين في أمر اليهود، ومرّة في أمر النّصارى باختلاف يسير، فقال:
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ المائدة: 44، فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ المائدة: 45، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ المائدة: 47، فسجّل عليهم الكفر والظّلم والفسق.
ولعلّ الوجه في ذكر الفسق عند التّعرّض لما يرجع إلى النّصارى، والكفر والظّلم فيما يعود إلى اليهود، أن النّصارى بدّلوا التّوحيد تثليثا، ورفضوا أحكام التّوراة بأخذ"بولس"دين المسيح دينا مستقلّا منفصلا عن دين موسى، مرفوعا فيه الأحكام بالتّفدية، فخرجت النّصارى بذلك عن التّوحيد وشريعته بتأوّل، ففسقوا عن دين اللّه الحقّ. والفسق: خروج الشّي ء من مستقرّه، كخروج لبّ التّمرة عن قشرها.
وأمّا اليهود فلم يشتبه عليهم الأمر فيما عندهم من دين موسى عليه السّلام، وإنّما ردّوا الأحكام والمعارف الّتي كانوا على علم منها، وهو الكفر بآيات اللّه والظّلم لها.
والآيات الثّلاث- وذكرها-، آيات مطلقة لا تختصّ بقوم دون قوم، وإن انطبقت على أهل الكتاب في هذا المقام.
وقد اختلف المفسّرون في معنى كفر من لم يحكم بما أنزل اللّه، كالقاضي يقضي بغير ما أنزل اللّه، والحاكم يحكم على خلاف ما أنزل اللّه، والمبتدع يستنّ بغير السّنّة، وهي مسألة فقهيّة. الحقّ فيها أنّ المخالفة لحكم شرعيّ، أو لأيّ أمر ثابت في الدّين في صورة العلم بثبوته والرّدّ له، توجب الكفر، وفي صورة العلم بثبوته مع عدم الرّدّ له، توجب الفسق، وفي صورة عدم العلم بثبوته مع الرّدّ له، لا توجب كفرا ولا فسقا، لكونه قصورا يعذر فيه، إلّا أن يكون قصّر في شي ء من