فهرس الكتاب

الصفحة 8357 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 266

وأخطأ داود. فأمّا حكم داود فإنّه قضى لصاحب الحرث، وأمّا حكم سليمان فإنّه رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث لينتفع بدرّها ونسلها، ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ويأخذ بعمارته، فإذا عاد في السّنة المقبلة إلى مثل حاله ردّت الغنم إلى صاحبها، وردّ الحرث إلى صاحبه، حكاه ابن مسعود ومجاهد، فرجع داود إلى قضاء سليمان فحكم به، فقال اللّه تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ، فجعل الحقّ معه وفي حكمه، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم، لكن لا يقرّون عليه وإن أقرّ عليه غيرهم، ليعود اللّه بالحقائق لهم دون خلقه، ولذلك تسمّى بالحقّ، وتميّز به عن الخلق. [إلى أن قال:]

فإن قيل: فكيف نقض داود حكمه باجتهاد سليمان؟

فالجواب عنه من وجهين:

أحدهما: يجوز أن يكون داود ذكر حكمه على الإطلاق، وكان ذلك منه على طريق الفتيا، فذكره لهم ليلزمهم إيّاه، فلمّا ظهر له ما هو أقوى في الاجتهاد منه عاد إليه.

الثّاني: أنّه يجوز أن يكون اللّه أوحى بهذا الحكم إلى سليمان فلزمه ذلك، ولأجل النّصّ الوارد بالوحي، رأى أن ينقض اجتهاده، لأنّ على الحاكم أن ينقض حكمه بالاجتهاد، إذا خالف نصّا. على أنّ العلماء قد اختلفوا في الأنبياء، هل يجوز لهم الاجتهاد في الأحكام. [ثمّ بحث حول هذه المسألة وقال:]

وفي المراد بالحكم والعلم وجهان محتملان: أحدهما أنّ الحكم: القضاء، والعلم: الفتيا، والثّاني أنّ الحكم:

الاجتهاد، والعلم: النّصّ. (3: 457)

الطّوسيّ: قال أبو عليّ الجبّائيّ: أوحى اللّه إلى سليمان ممّا نسخ به حكم داود الّذي كان يحكم به قبل.

ولم يكن ذلك عن اجتهاد، لأنّ الاجتهاد لا يجوز أن يحكم به الأنبياء. وهذا هو الصّحيح عندنا. وقال ابن الأخشاذ، والبلخيّ، والرّمّانيّ: يجوز أن يكون ذلك عن اجتهاد، لأنّ رأي النّبيّ أفضل من رأي غيره، فكيف يجوز التّعبّد بالتزام حكم غيره من طريق الاجتهاد، ويمتنع من حكمه من هذا الوجه؟

والدّليل على صحّة الأوّل أنّ الأنبياء عليهم السّلام يوحى إليهم، ولهم طريق إلى العلم بالحكم، فكيف يجوز أن يعملوا بالظّنّ! والأمّة لا طريق لها إلى العلم بالأحكام، فجاز أن يكلّفوا ما طريقه الظّنّ؟! على أنّ عندنا لا يجوز في الأمّة أيضا العمل على الاجتهاد. وقد بيّنّا ذلك في غير موضع. ومن قال: إنّهما اجتهدا، قال: أخطأ داود وأصاب سليمان.

وذكروا في قوله: إِذْ يَحْكُمانِ ثلاثة أوجه:

أحدها: إذ شرعا في الحكم فيه من غير قطع به في ابتداء الشّرع.

وثانيها: أن يكون حكمه حكما معلّقا بشرط لم يفعله بعد.

وثالثها: أن يكون معناه طلبا بحكم في الحرث، ولم يبتديا به بعد.

ويقوّي ما قلناه قوله تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت