فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 267
يعني علّمنا الحكومة في ذلك سليمان. وقيل: إنّ اللّه تعالى فهّم سليمان قيمة ما أفسدت الغنم. ثمّ أخبر تعالى بأنّه آتى كلّا حكما وعلما، فدلّ على أنّ ما حكم به داود كان بوحي اللّه وتعليمه. وقيل: معنى قوله: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ أي فتحنا له طريق الحكومة، لما اجتهد في طلب الحقّ فيها، من غير عيب على داود فيما كان منه في ذلك، لأنّه اجتهد فحكم بما أدّى اجتهاده إليه.
نحوه الطّبرسيّ (4: 57) ، وشبّر (4: 209) .
الزّمخشريّ: حكم داود بالغنم لصاحب الحرث، فقال سليمان عليه السّلام وهو ابن إحدى عشرة سنة: غير هذا أرفق بالفريقين، فعزم عليه ليحكمنّ، فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى أرباب الشّاء يقومون عليه حتّى يعود كهيئته يوم أفسد، ثمّ يترادّان. فقال: القضاء ما قضيت، وأمضى الحكم بذلك. فإن قلت: أحكما بوحي أم باجتهاد؟ قلت: حكما جميعا بالوحي؛ إلّا أنّ حكومة داود نسخت بحكومة سليمان عليهما السّلام. وقيل: اجتهدا جميعا، فجاء اجتهاد سليمان عليه السّلام أشبه بالصّواب.
فإن قلت: ما وجه كلّ واحدة من الحكومتين؟
قلت: أمّا وجه حكومة داود عليه السّلام فلأنّ الضّرر لمّا وقع بالغنم سلّمت بجنايتها إلى المجنيّ عليه ... ولعلّ قيمة الغنم كانت على قدر النّقصان في الحرث. ووجه حكومة سليمان عليه السّلام أنّه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث، من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتّى يزول الضّرر والنّقصان ...
وفي قوله: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ دليل على أنّ الأصوب كان مع سليمان عليه السّلام. وفي قوله: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا دليل على أنّهما جميعا كانا على الصّواب.
نحوه الشّربينيّ. (2: 515)
الفخر الرّازيّ: هاهنا أمور ولا بدّ من البحث عنها:
السّؤال الأوّل: هل في الآية دلالة على أنّهما عليهما السّلام اختلفا في الحكم أم لا؟ فإنّ أبا بكر الأصمّ قال: إنّهما لم يختلفا ألبتّة، وأنّه تعالى بيّن لهما الحكم، لكنّه بيّنه على لسان سليمان عليه السّلام.
الجواب: الصّواب أنّهما اختلفا، والدّليل إجماع الصّحابة والتّابعين رضي اللّه عنهم، على ما رويناه، وأيضا فقد قال اللّه تعالى: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ثمّ قال: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ والفاء للتّعقيب فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقا على هذا التّفهيم، وذلك الحكم السّابق إمّا أن يقال: اتّفقا فيه أو اختلفا فيه، فإن اتّفقا فيه لم يبق لقوله: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ فائدة، وإن اختلفا فيه فذلك هو المطلوب.
السّؤال الثّاني: سلّمنا أنّهما اختلفا في الحكم، ولكن هل كان الحكمان صادرين عن النّصّ أو عن الاجتهاد؟
الجواب: الأمران جائزان عندنا. وزعم الجبّائيّ أنّهما كانا صادرين عن النّصّ.