فهرس الكتاب

الصفحة 8381 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 290

آخر. (5: 341)

مكارم الشّيرازيّ: ثمّ تخيّر الآية النّبيّ بين أن يحكم بينهم، أو أن يتجنّبهم ويتركهم، حيث تقول الآية: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ...

ولا يعني التّخيير أن يستخدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ميله ورغبته في اختيار أحد الأمرين المذكورين، بل المراد من ذلك هو أن يراعي النّبيّ الظّروف والملابسات المحيطة بكلّ حالة، فإن رأى الوضع يقتضي الحكم بينهم حكم، وإن رأى خلاف ذلك تركهم وأعرض عنهم.

ولكي تعزّز الآية الإطمئنان في نفس النّبيّ صلّى اللّه عليه واله، إن هو ارتأى الإعراض عن هؤلاء لمصلحة، أكّدت قائلة:

وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ....

كما أكّدت ضرورة اتّباع العدل وتطبيقه، إذا كانت الحالة تقتضي أن يحكم النّبيّ بين هؤلاء، فقالت الآية:

وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. ثمّ حكى أقوال المفسّرين، فلاحظ.

فضل اللّه: هل يجوز تحاكم غير المسلم عند القاضي المسلم؟

هذا وقد أثار المفسّرون والفقهاء مسألة وظيفة القاضي المسلم في النّظام الإسلاميّ، إذا تحاكم لديه شخصان من غير المسلمين، فهل يجب عليه أن يحكم بينهما، أو لا يجب عليه ذلك تعيينا، بل هو مخيّر بين قبول الدّعوى والنّظر في تفاصيلها، وبين الإعراض عنها، وترك قبوله الدّعوى بحسب ما يراه من المصلحة في خصوصيّة القضيّة، أو في أصل موضوع الحكم في طبيعته؟

وقد ذكروا اتّفاق الفقهاء على أنّ غير الذّمّيّين إذا تخاصما لدى القاضي المسلم، فللحاكم الخيار بين الرّفض للدّعوى أو قبولها، تبعا لما يراه من المصلحة من خلال النّتائج السّلبيّة أو الإيجابيّة على الصّعيد العامّ أو الخاصّ.

أمّا إذا كان المتخاصمون من أهل الذّمّة، فقال علماء أهل السّنّة: بأنّه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه، لكن في رأي مالك وأبي حنيفة ومحمّد بن الحسن: لا يحدّ الذّمّيّون حدّ الزّنى. ورأى الشّافعيّ وأبو يوسف: أنّهم يحدّون إن أتوا راضين بحكمنا.

وذهب أبو حنيفة والنّخعيّ وعمر بن عبد العزيز إلى أنّ التّخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ المائدة: 49، وأنّ على الحاكم أن يحكم بين أهل الذّمّة. وهو رأي ابن عبّاس والحسن ومجاهد وعكرمة.

وقال فقهاء الشّيعة الإماميّة: بل هو مخيّر إن شاء حكم وإن شاء رفض. ولم يثبت نسخ الآية بالآية المذكورة. أمّا إذا كان أحد المتحاكمين مسلما والآخر غير مسلم، فيجب على الحاكم قبول الدّعوى.

ولا بدّ في حالة قبول الدّعوى في جميع الحالات، من الحكم بالعدل بما أنزل اللّه، وربّما يخطر في البال أنّ المسألة قد تأخذ- في بعض المراحل- بعدا كبيرا في مصلحة النّظام الإسلاميّ في نطاق الدّولة الإسلاميّة من المسلمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت