فهرس الكتاب

الصفحة 8526 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 434

وجعلها فصولا بالنّظر إلى بعضها مع بعض. أو لأنّ كلّ آية مشتملة على جمل من الألفاظ المرصّفة، وهذا تراخ وجوديّ، ولمّا كان الكلام من السّائلات كان زمانيّا أيضا، ولكنّ الزّمخشريّ آثر التّراخي في الحال مطلقا حملا على التّراخي في الإخبار في هذين الوجهين، ليطابق اللّفظ الوضع، وليظهر وجه العدول من الفاء إلى"ثمّ"، وإن أريد الثّالث وبالتّفصيل أحد الطّرفين فرتبيّ وإلّا فإخباريّ. والأحسن أن يراد بالإحكام الأوّل وبالتفصيل أحد الطّرفين، وعليه ينطبق المطابقة بين (حكيم) و (خبير) و (احكمت) و (فصّلت) . ثمّ قال:

ومنه ظهر أنّ التّراخي في الحال يشمل التّراخي الرّتبيّ والإخباريّ انتهى. فليتأمّل.

وقرئ (احكمت) بالبناء للفاعل المتكلّم، و (فصلت) بفتحتين مع التّخفيف. وروي هذا عن ابن كثير، والمعنى ثمّ فرقت بين الحقّ والباطل.

وقيل: (فصلت) هنا مثلها في قوله تعالى: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ يوسف: 94، أي انفصلت وصدرت.

"لاحظ ف ص ل:"فصّلت". (11: 203) "

ابن عاشور: والإحكام: إتقان الصّنع، مشتقّ من الحكمة بكسر الحاء وسكون الكاف. وهي إتقان الأشياء بحيث تكون سالمة من الإخلال الّتي تعرض لنوعها، أي جعلت آياته كاملة في نوع الكلام بحيث سلمت من مخالفة الواقع، ومن إخلال المعنى واللّفظ. (11: 199)

مغنيّة: والمعنى أنّ هذا القرآن واضح المعاني محكم النّظم، لا نقص فيه ولا خلل، لأنّه ممّن يقدّر الأمور ويدبّرها على أساس العلم والحكمة.

قال بعض العارفين: إنّ للّه كتابين: واحد تكوينيّ، وهو هذا الكون، والآخر تدوينيّ، وهو القرآن، وكلّ منهما محكم من جميع جهاته على أتمّ الوجوه وأكملها.

الطّباطبائيّ: المقابلة بين الإحكام والتّفصيل- الّذي هو إيجاد الفصل بين أجزاء الشّي ء المتّصل بعضها ببعض- والتّفرقة بين الأمور المندمجة كلّ منها في آخر تدلّ على أنّ المراد بالإحكام ربط بعض الشّي ء ببعضه الآخر، وإرجاع طرف منه إلى طرف آخر، بحيث يعود الجميع شيئا واحدا بسيطا غير ذي أجزاء وأبعاض.

ومن المعلوم أنّ الكتاب إذا اتّصف بالإحكام والتّفصيل بهذا المعنى الّذي مرّ فإنّما يتّصف بهما من جهة ما يشتمل عليه من المعنى والمضمون، لا من جهة ألفاظه أو غير ذلك، وأنّ حال المعاني في الإحكام والتّفصيل والاتّحاد والاختلاف غير حال الأعيان، فالمعاني المتكثّرة إذا رجعت إلى معنى واحد كان هذا الواحد هو الأصل المحفوظ في الجميع، وهو بعينه على إجماله هذه التّفاصيل، وهي بعينها على تفاصيلها ذاك الإجمال.

وهذا كلّه ظاهر لا ريب فيه.

وعلى هذا فكون آيات الكتاب محكمة أوّلا ثم مفصّلة ثانيا، معناه أنّ الآيات الكريمة القرآنيّة على اختلاف مضامينها وتشتّت مقاصدها وأغراضها ترجع إلى معنى واحد بسيط، وغرض فارد أصليّ لا تكثّر فيه ولا تشتّت، بحيث لا تروم آية من الآيات الكريمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت