فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 443
لا يعلمون منتهى ما يصيرون إليه منه وفي كلّ ذلك حكمة، وبعضه يشبه بعضا في الحكمة. (1: 345)
الجصّاص: قد بيّنّا في صدر الكتاب معنى المحكم والمتشابه، وأنّ كلّ واحد منهما ينقسم إلى معنيين:
أحدهما: يصحّ وصف القرآن بجميعه، والآخر: إنّما يختصّ به بعض القرآن دون بعض، قال اللّه تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ هود: 1، وقال تعالى: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ يونس: 1، فوصف جميع القرآن في هذه المواضع بالإحكام، وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ الزّمر: 23، فوصف جميعه بالمتشابه، ثمّ قال في موضع آخر: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فوصف هاهنا بعضه بأنّه محكم، وبعضه متشابه. والإحكام الّذي عمّ به الجميع هو الصّواب والإتقان اللّذان يفضّل بهما القرآن كلّ قول.
وأمّا موضع الخصوص في قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ فإنّ المراد به اللّفظ الّذي لا اشتراك فيه، ولا يحتمل عند سامعه إلّا معنى واحدا، وقد ذكرنا اختلاف النّاس فيه، إلّا أنّ هذا المعنى لا محالة قد انتظمه لفظ الإحكام المذكور في هذه الآية، وهو الّذي جعل إمّا للمتشابه الّذي يردّ إليه ويحمل معناه عليه، وأمّا المتشابه الّذي عمّ به جميع القرآن في قوله تعالى:
كِتابًا مُتَشابِهًا، فهو التّماثل ونفي الاختلاف والتّضادّ عنه، وأمّا المتشابه المخصوص به بعض القرآن، فقد ذكرنا أقاويل السّلف فيه.
وما روي عن ابن عبّاس:"أنّ المحكم هو النّاسخ، والمتشابه هو المنسوخ"، فهذا عندنا هو أحد أقسام المحكم والمتشابه، لأنّه لم ينف أن يكون للمحكم والمتشابه وجوه غيرهما، وجائز أن يسمّى النّاسخ محكما لأنّه ثابت الحكم، والعرب تسمّى البناء الوثيق محكما؛ ويقولون في العقد الوثيق الّذي لا يمكن حلّه: محكما، فجائز أن يسمّى النّاسخ محكما؛ إذ كانت صفته الثّبات والبقاء، ويسمّى المنسوخ متشابها من حيث أشبه في التّلاوة المحكم، وخالفه في ثبوت الحكم، فيشتبه على التّالي حكمه في ثبوته ونسخه، فمن هذا الوجه جائز أن يسمّى المنسوخ متشابها.
وأمّا قول من قال: إنّ المحكم هو الّذي لم تتكرّر ألفاظه، والمتشابه هو الّذي تتكرّر ألفاظه، فإنّ اشتباه هذا من جهة اشتباه وجه الحكمة فيه على السّامع، وهذا سائغ عامّ في جميع ما يشتبه فيه وجه الحكمة فيه على السّامع إلى أن يتبيّنه ويتّضح له وجهه، فهذا ممّا يجوز فيه إطلاق اسم المتشابه، وما لا يشتبه فيه وجه الحكمة على السّامع فهو المحكم الّذي لا تشابه فيه، على قول هذا القائل، فهذا أيضا أحد وجوه المحكم والمتشابه، وإطلاق الاسم فيه سائغ جائز.
وأمّا ما روي عن جابر بن عبد اللّه: أنّ المحكم: ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه: ما لا يعلم تأويله، كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها النّازعات: 42، وما جرى مجرى ذلك، فإنّ إطلاق اسم المحكم والمتشابه سائغ فيه، لأنّ ما علم وقته ومعناه