فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 444
فلا تشابه فيه، وقد أحكم بيانه. وما لا يعلم تأويله ومعناه ووقته فهو مشتبه على سامعه، فجائز أن يسمّى بهذا الاسم.
فجميع هذه الوجوه يحتمله اللّفظ على ما روي فيه، ولو لا احتمال اللّفظ لما ذكروا، لما تأوّلوه عليه، وما ذكرناه من قول من قال: إنّ المحكم هو ما لا يحتمل إلّا معنى واحدا، والمتشابه: ما يحتمل معنيين، فهو أحد الوجوه الّذي ينتظمها هذا الاسم، لأنّ المحكم من هذا القسم سمّي محكما لإحكام دلالته، وإيضاح معناه وإبانته. والمتشابه منه سمّي بذلك، لأنّه أشبه المحكم من وجه واحتمل معناه، وأشبه غيره ممّا يخالف معناه معنى المحكم، فسمّي متشابها من هذا الوجه.
فلمّا كان المحكم والمتشابه يعتورهما ما ذكرنا من المعاني احتجنا إلى معرفة المراد منها بقوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ الآية، مع علمنا بما في مضمون هذه الآية وفحواها من وجوب ردّ المتشابه إلى المحكم، وحمله على معناه دون حمله على ما يخالفه، لقوله تعالى: في صفة المحكمات هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ والأمّ هي الّتى منها ابتداؤه وإليها مرجعه، فسمّاها أمّا فاقتضى ذلك بناء المتشابه عليها وردّه إليها.
ثمّ أكدّ ذلك بقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ...
آل عمران: 7، فوصف متّبع المتشابه من غير حمله له على معنى المحكم بالزّيغ في قلبه، وأعلمنا أنّه مبتغ للفتنة، وهي الكفر والضّلال في هذا الموضع، كما قال تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ البقرة: 191، يعنى- واللّه أعلم- الكفر، فأخبر أنّ متّبع المتشابه وحامله على مخالفة المحكم في قلبه زيغ، يعني الميل عن الحقّ، يستدعي غيره بالمتشابه إلى الضّلال والكفر، فثبت بذلك أنّ المراد بالمتشابه المذكور في هذه الآية هو اللّفظ المحتمل للمعاني الّذي يجب ردّه إلى المحكم، وحمله على معناه.
ثمّ نظرنا بعد ذلك في المعاني الّتي تعتور هذا اللّفظ وتتعاقب عليه، ممّا قدّمنا ذكره في أقسام المتشابه عن القائلين بها على اختلافها مع احتمال اللفظ، فوجدنا قول من قال: بأنّه النّاسخ والمنسوخ، فإنّه إن كان تاريخهما معلوما فلا اشتباه فيهما على من حصل له العلم بتاريخهما، وعلم يقينا أنّ المنسوخ متروك الحكم، وأنّ النّاسخ ثابت الحكم، فليس فيهما ما يقع فيه اشتباه على السّامع العالم بتاريخ الحكمين اللّذين لا احتمال فيهما لغير النّاسخ، وإن اشتبه على السّامع من حيث إنّه لم يعلم التّاريخ، فهذا ليس أحد اللّفظين أولى بكونه محكما من الآخر، ولا بكونه متشابها منه، إذ كلّ واحد منهما يحتمل أن يكون ناسخا، ويحتمل أن يكون منسوخا، فهذا لا مدخل له في قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ.
وأمّا قول من قال: إنّ المحكم: ما لم يتكرّر لفظه، والمتشابه: ما تكرّر لفظه. فهذا أيضا لا مدخل له في هذه الآية، لأنّه لا يحتاج إلى ردّه إلى المحكم، وإنّما يحتاج إلى تدبّره بعقله، وحمله على ما في اللّغة من تجويزه.
وأمّا قول من قال: إنّ المحكم: ما علم وقته