فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 446
حكمه بأنّ العبد ضالّ، ليس قبيح بل هو حسن. [ثمّ نقل الأقوال وقال:]
فإن قيل: لم أنزل في القرآن المتشابه؟ وهلّا أنزله كلّه محكما! قيل: للحثّ على النّظر الّذي يوجب العلم دون الاتّكال على الخبر من غير نظر، وذلك أنّه لو لم يعلم بالنّظر أنّ جميع ما يأتي به الرّسول حقّ، يجوز أن يكون الخبر كذبا، وبطلت دلالة السّمع، وفائدته، فلحاجة العباد إلى ذلك من الوجه الّذي بيّنّاه، أنزل اللّه متشابها، ولو لا ذلك لما بان منزلة العلماء، وفضلهم على غيرهم، لأنّه لو كان كلّه محكما، لكان من يتكلّم باللّغة العربيّة عالما به، ولا كان يشتبه على أحد المراد به فيتساوى النّاس في علم ذلك، على أنّ المصلحة معتبرة في إنزال القرآن، فما أنزله متشابها، لأنّ المصلحة اقتضت ذلك، وما أنزله محكما فلمثل ذلك. والمتشابه في القرآن: يقع فيما اختلف النّاس فيه من أمور الدّين، من ذلك قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الأعراف:
54، فاحتمل في اللّغة أن يكون كاستواء الجالس على السّرير، واحتمل أن يكون بمعنى الاستيلاء، نحو قول الشّاعر:
ثمّ استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
وأحد الوجهين لا يجوز عليه تعالى لقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ الشّورى: 11، وقوله: لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ الإخلاص: 4.
والآخر يجوز عليه، فهذا من المحكم الّذي يردّ إليه المتشابه. ومن ذلك قوله: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ البقرة: 286، فاحتمل ظاهره تكليف المشاقّ، واحتمل تكليف ما لا يطاق، وأحدهما لا يجوز عليه تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها البقرة: 286 فرددنا إليه المتشابه، ومن ذلك قوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ النّساء: 78، فرددناه إلى المحكم الّذي هو قوله:
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ آل عمران:
78، ومن ذلك قوله: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ التّكوير: 29، متشابه، وبيّن المراد بالمحكم الّذي هو قوله: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ آل عمران: 108.
ومن ذلك اعتراض الملحدين في باب النّبوّة بما يوهم المناقضة، كقوله: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ* وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ* ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ* فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ فصّلت: 9 - 12، فقال: اليومان والأربعة واليومان ثمانية، ثمّ قال: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ هود: 7، فأوهموا أنّ ذلك مناقضة، وليس الأمر على ما ظنّوه، لأنّ ذلك يجري مجرى قول القائل: سرنا من البصرة إلى بغداد في عشرة أيّام، وسرنا إلى الكوفة في خمسة عشر يوما، فالعشرة داخلة في الخمسة عشر ولا يضاف فيقال: عشرة،