فهرس الكتاب

الصفحة 8550 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 458

ابن كثير: يخبر تعالى أنّ في القرآن آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب، أي بيّنات واضحات الدّلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدّلالة على كثير من النّاس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكّم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، أي أصله الّذي يرجع إليه عند الاشتباه.

وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللّفظ والتّركيب، لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه. [ثمّ نقل الأقوال وأضاف:]

وأحسن ما قيل فيه: هو الّذي قدمّنا، وهو الّذي نصّ عليه محمّد بن إسحاق بن يسار رحمه اللّه حيث قال:

مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ فهنّ حجّة الرّبّ وعصمة العباد، ودفع الخصوم الباطل، ليس لهنّ تصريف ولا تحريف عمّا وضعن عليه. قال: والمتشابهات في الصّدق ليس لهنّ تصريف وتحريف وتأويل. ابتلى اللّه فيهنّ العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، ألّا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحقّ. (2: 5)

أبو السّعود: مُحْكَماتٌ صفة آياتٌ، أي قطعيّة الدّلالة على المعنى المراد، محكمة العبارة، محفوظة من الاحتمال والاشتباه. هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، أي أصل فيه وعمدة، يردّ إليها غيرها. فالمراد ب (الكتاب) : كلّه.

والإضافة بمعنى"في"كما في واحد العشرة لا بمعنى اللّام، فإنّ ذلك يؤدّي إلى كون الكتاب عبارة عمّا عدا المحكمات. والجملة إمّا صفة لما قبلها أو مستأنفة. [ثمّ بحث في"الأمّ"إلى أن قال:]

مُتَشابِهاتٌ صفة ل (اخر) ، وفي الحقيقة صفة للمحذوف، أي محتملات لمعان متشابهة، لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة بها، ولا يتّضح الأمر إلّا بالنّظر الدّقيق والتّأمّل الأنيق، فالتّشابه في الحقيقة وصف لتلك المعاني، وصف به الآيات على طريقة وصف الدّالّ بوصف المدلول.

وقيل: لمّا كان من شأن الأمور المتشابهة أن يعجز العقل عن التّمييز بينها، سمّي كلّ ما لا يهتدي إليه العقل متشابها، وإن لم يكن ذلك بسبب التّشابه، كما أنّ المشكل في الأصل ما دخل في أشكاله وأمثاله، ولم يعلم بعينه، ثمّ أطلق على كلّ غامض، وإن لم يكن غموضه من تلك الجهة.

وإنّما جعل ذلك كذلك ليظهر فضل العلماء، ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبّرها، وتحصيل العلوم الّتي نيط بها استنباط ما أريد بها من الأحكام الحقّة، فينالوا بها- وبإتعاب القرائح في استخراج مقاصدها الرّائقة ومعانيها اللّائقة- المدارج العالية، ويعرجوا بالتّوفيق بينها وبين المحكمات من اليقين والاطمئنان إلى المعارج القاصية.

وأمّا قوله عزّ وجلّ: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ هود: 1، فمعناه أنّها حفظت من اعتراء الخلل أو من النّسخ، أو أيّدت بالحجج القاطعة الدّالّة على حقّيّتها، أو جعلت حكيمة لا نطوائها على جلائل الحكم البالغة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت