فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 476
في المفهوم، فربّما خصّص به العامّ أو عمّم به الخاصّ، أو تصرّف في المفهوم بأيّ تصرّف آخر، وهو الّذي نسمّيه بتصرّف القرائن العقليّة غير اللّفظيّة.
مثال ذلك: أنّا إذا سمعنا عزيزا من أعزّتنا ذا سؤدد وثروة، يقول: وإن من شي ء إلّا عندنا خزائنه، وتعقّلنا مفهوم الكلام ومعاني مفرداته، حكمنا في مرحلة التّطبيق على المصداق، أنّ له أبنية محصورة حصينة، تسع شيئا كثيرا من المظروفات، فإنّ الخزانة هكذا تتّخذ إذا اتّخذت، وأنّ له فيها مقدارا وفرا من الذّهب والفضّة والورق والأثاث والزّينة والسّلاح، فإنّ هذه الأمور هي الّتي يمكن أن تخزن عندنا وتحفظ حفظا، وأمّا الأرض والسّماء، والبرّ، والبحر، والكوكب، والإنسان، فهي وإن كانت أشياء لكنّها لا تخزن ولا تتراكم، ولذلك نحكم بأنّ المراد من الشّي ء بعض من أفراده غير المحصورة، وكذا من الخزائن قليل من كثير، فقد عاد النّظام الموجود في المصداق، وهو أنّ كثيرا من الأشياء لا يخزن، وأنّ ما يختزن منها إنّما يختزن في بناء حصين مأمون عن الغيلة والغارة، أوجب تقييدا عجيبا في إطلاق مفهوم الشّي ء والخزائن.
ثمّ إذا سمعنا اللّه تعالى ينزّل على رسوله قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ الحجر: 21، فإن لم يرق أذهاننا عن مستواها السّاذج الأوّليّ، فسّرنا كلامه بعين ما فسّرنا به كلام الواحد من النّاس، مع أنّه لا دليل لنا على ذلك ألبتّة، فهو تفسير بما نراه من غير علم.
وإن رقّت أذهاننا عن ذلك قليلا، وأذعنّا بأنّه تعالى لا يخزن المال، وخاصّة إذا سمعناه تعالى يقول في ذيل الآية: وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ويقول أيضا:
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها الجاثية: 5، حكمنا بأنّ المراد بالشّي ء، الرّزق من الخبز والماء، وأنّ المراد بنزوله نزول المطر، لأنّا لا نشعر بشي ء ينزل من السّماء غير المطر، فاختزان كلّ شي ء عند اللّه، ثمّ نزوله بالقدر كناية عن اختزان المطر، ونزوله لتهيئة الموادّ الغذائيّة، وهذا أيضا تفسير بما نراه من غير علم؛ إذ لا مستند له، إلّا أنّا لا نعلم شيئا ينزل من السّماء غير المطر، والّذي بأيدينا هاهنا عدم العلم دون العلم بالعدم.
وإن تعالينا عن هذا المستوى أيضا، واجتنبنا ما فيه من القول في القرآن بغير علم، وأبقينا الكلام على إطلاقه التّامّ، وحكمنا أنّ قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ يبيّن أمر الخلقة، غير أنّا لمّا كنّا لا نشكّ في أنّ ما نجده من الأشياء المتجدّدة بالخلقة، كالإنسان والحيوان والنّبات وغيرها، لا تنزل من السّماء وإنّما تحدث حدوثا في الأرض، حكمنا بأنّ قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ، كناية عن مطاوعة الأشياء في وجودها لإرادة اللّه تعالى، وأنّ الإرادة بمنزلة مخزن يختزن فيه جميع الأشياء المخلوقة، وإنّما يخرج منه وينزل من عنده تعالى ما يتعلّق به مشيّته تعالى، وهذا أيضا كما ترى تفسير للآية بما نراه من غير علم، إذ لا مستند لنا فيه سوى أنّا نجد الأشياء غير نازلة من عند اللّه بالمعنى الّذي نعهده من النّزول، ولا علم لنا بغيره.