فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 477
وإذا تأمّلت ما وصفه اللّه تعالى في كتابه من أسماء ذاته وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله، والقيامة وما يتعلّق بها، وحكم أحكامه وملاكاتها، وتأمّلت ما نرومه في تفسيرها من إعمال القرائن العقليّة، وجدت أنّ ذلك كلّه من قبيل التّفسير بالرّأي، من غير علم، وتحريف لكلمه عن مواضعها.
وقد تقدّم في الفصل الخامس من البحث في المحكم والمتشابه: أنّ البيانات القرآنيّة بالنّسبة إلى المعارف الإلهيّة كالأمثال، أو هي أمثال بالنّسبة إلى ممثلاتها، وقد فرّقت في الآيات المتفرّقة وبيّنت ببيانات مختلفة، ليتبيّن ببعض الآيات ما يمكن أن يختفي معناه في بعض، ولذلك كان بعضها شاهدا على البعض والآية مفسّرة للآية.
ولو لا ذلك لاختلّ أمر المعارف الإلهيّة في حقائقها، ولم يمكن التّخلّص في تفسير الآية من القول بغير علم، على ما تقدّم بيانه.
ومن هنا يظهر أنّ التّفسير بالرّأي كما بيّنّاه لا يخلو عن القول بغير علم، كما يشير الحديث النّبويّ السّابق:
"من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النّار".
ومن هنا يظهر أيضا أنّ ذلك يؤدّي إلى ظهور التّنافي بين الآيات القرآنيّة من حيث إبطاله التّرتيب المعنويّ الموجود في مضامينها، فيؤدّي إلى وقوع الآية في غير موقعها، ووضع الكلمة في غير موضعها، ويلزمها تأويل بعض القرآن أو أكثر آياتها بصرفها عن ظاهرها، كما يتأوّل المجبّرة آيات الاختيار، والمفوّضة آيات القدر، وغالب المذاهب في الإسلام لا يخلو عن التّأوّل في الآيات القرآنيّة، وهي الآيات الّتي لا يوافق ظاهرها مذهبهم، فيتشبّثون في ذلك بذيل التّأويل استنادا إلى القرينة العقليّة، وهو قولهم: إنّ الظّاهر الفلانيّ قد ثبت خلافه عند العقل، فيجب صرف الكلام عنه.
وبالجملة يؤدّي ذلك إلى اختلاط الآيات بعضها ببعض ببطلان ترتيبها، ودفع مقاصد بعضها ببعض، ويبطل بذلك المرادان جميعا؛ إذ لا اختلاف في القرآن، فظهور الاختلاف بين الآيات بعضها مع بعض، ليس إلّا لاختلال الأمر، واختلاط المراد فيهما معا.
وهذا هو الّذي ورد التّعبير عنه في الرّوايات بضرب بعض القرآن ببعض، كما في الرّوايات التّالية:
في"الكافي"وتفسير"العيّاشيّ"عن الصّادق عن أبيه عليهما السّلام قال:"ما ضرب رجل من القرآن بعضه ببعض إلّا كفر". وفي"المعاني"و"المحاسن"مسندا، وفي تفسير"العيّاشيّ"عن الصّادق عليه السّلام [مثله] .
قال الصّدوق سألت ابن الوليد عن معنى هذا الحديث، فقال: هو أن تجيب الرّجل في تفسير آية بتفسير آية أخرى.
أقول: ما أجاب به لا يخلو عن إبهام، فإن أراد به الخلط المذكور، وما هو المعمول عند الباحثين في مناظراتهم من معارضة الآية بالآية، وتأويل البعض بالتّمسّك بالبعض فحقّ، وإن أراد به تفسير الآية بالآية، والاستشهاد بالبعض للبعض فخطأ، والرّوايتان التّاليتان تدفعانه. [ثمّ ذكر الرّوايات وقال:]