فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 478
أقول: والرّوايات كما ترى يعدّ ضرب القرآن بعضه ببعض مقابلا لتصديق بعض القران بعضا، وهو الخلط بين الآيات من حيث مقامات معانيها، والإخلال بترتيب مقاصدها، كأخذ المحكم متشابها، والمتشابه محكما، ونحو ذلك.
فالتّكلّم في القرآن بالرّأي، والقول في القرآن بغير علم، كما هو موضوع الرّوايات المنقولة سابقا، وضرب القرآن بعضه ببعضه، كما هو مضمون الرّوايات المنقولة آنفا، يحوم الجميع حول معنى واحد، وهو الاستمداد في تفسير القرآن بغيره.
فإن قلت: لا ريب أنّ القرآن إنّما نزل ليعقله النّاس ويفهموه، كما قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ الزّمر: 41، وقال تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ آل عمران: 138، إلى غير ذلك من الآيات. ولا ريب أنّ مبيّنه هو الرّسول صلّى اللّه عليه وآله، كما قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ النّحل: 44، وقد بيّنه للصّحابة، ثمّ أخذ عنهم التّابعون، فما نقلوه عنه صلّى اللّه عليه واله إلينا فهو بيان نبويّ، لا يجوز التّجافي والإغماض عنه بنصّ القرآن، وما تكلّموا فيه من غير إسناده إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، فهو وإن لم يجر مجرى النّبويّات في حجّيّتها، لكنّ القلب إليه أسكن، فإنّ ما ذكروه في تفسير الآيات، إمّا مسموع من النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أو شي ء هداهم إليه الذّوق المكتسب، من بيانه وتعليمه صلّى اللّه عليه وآله، وكذا ما ذكره تلامذتهم من التّابعين ومن يتلوهم، وكيف يخفى عليهم معاني القرآن مع تعرّقهم في العربيّة، وسعيهم في تلقّيها من مصدر الرّسالة، واجتهادهم البالغ في فقه الدّين، على ما يقصّه التّاريخ من مساعي رجال الدّين في صدر الإسلام.
ومن هنا يظهر: أنّ العدول عن طريقتهم وسنّتهم، والخروج من جماعتهم، وتفسير آية من الآيات بما لا يوجد بين أقوالهم وآرائهم بدعة، والسّكوت عمّا سكتوا عنه واجب. وفي ما نقل عنهم كفاية لمن أراد فهم كتاب اللّه تعالى، فإنّه يبلغ زهاء الوف من الرّوايات، وقد ذكر السّيوطيّ أنّه أنهاه إلى سبعة عشر ألف رواية عن النّبيّ وعن الصّحابة والتّابعين.
قلت: قد مرّ فيما تقدّم أنّ الآيات الّتي تدعو النّاس عامّة من كافر أو مؤمن، ممّن شاهد عصر النّزول، أو غاب عنه، إلى تعقّل القرآن وتأمّله، والتّدبّر فيه وخاصّة قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا النّساء:
82، تدلّ دلالة واضحة على أنّ المعارف القرآنيّة يمكن أن ينالها الباحث بالتّدبّر والبحث، ويرتفع به ما يترائى من الاختلاف بين الآيات، والآية في مقام التّحدّي، ولا معنى لإرجاع فهم معاني الآيات- والمقام هذا المقام- إلى فهم الصّحابة وتلامذتهم من التّابعين حتّى إلى بيان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، فإنّ ما بيّنه إمّا أن يكون معنى يوافق ظاهر الكلام، فهو ممّا يؤدّى إليه اللّفظ، ولو بعد التّدبّر والتّأمّل والبحث. وإمّا أن يكون معنى لا يوافق الظّاهر، ولا أنّ الكلام يؤدّي إليه، فهو ممّا لا يلائم التّحدّي ولا تتمّ به الحجّة، وهو ظاهر.