فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 479
نعم، تفاصيل الأحكام ممّا لا سبيل إلى تلقّيه من غير بيان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، كما أرجعها القرآن إليه في قوله تعالى:
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الحشر: 7، وما في معناه من الآيات وكذا تفاصيل القصص والمعاد مثلا.
ومن هنا يظهر أنّ شأن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في هذا المقام هو التّعليم فحسب، والتّعليم إنّما هو هداية المعلّم الخبير ذهن المتعلّم وإرشاده إلى ما يصعب عليه العلم به والحصول عليه، لا ما يمتنع فهمه من غير تعليم، فإنّما التّعليم تسهيل للطّريق وتقريب للمقصد، لا إيجاد للطّريق وخلق للمقصد. والمعلّم في تعليمه إنّما يروم ترتيب المطالب العلميّة، ونضدها على نحو يستسهله ذهن المتعلّم ويأنس به، فلا يقع في جهد التّرتيب وكدّ التّنظيم، فيتلف العمر وموهبة القوّة، أو يشرف على الغلط في المعرفة.
وهذا هو الّذي يدلّ عليه أمثال قوله تعالى:
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ النّحل: 44، وقوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ الجمعة: 2، فالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إنّما يعلّم النّاس ويبيّن لهم ما يدلّ عليه القرآن بنفسه، ويبيّنه اللّه سبحانه بكلامه، ويمكن للنّاس الحصول عليه بالآخرة لأنّه صلّى اللّه عليه وآله يبيّن لهم معاني لا طريق إلى فهمها من كلام اللّه تعالى، فإنّ ذلك لا ينطبق ألبتّة على مثل قوله تعالى: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فصّلت: 3، وقوله تعالى: وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ النّحل: 103.
على أنّ الأخبار المتواترة عنه صلّى اللّه عليه وآله، المتضمّنة لوصيّته بالتّمسّك بالقرآن والأخذ به، وعرض الرّوايات المنقولة عنه صلّى اللّه عليه وآله على كتاب اللّه، لا يستقيم معناها إلّا مع كون جميع ما نقل عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله، ممّا يمكن استفادته من الكتاب، ولو توقّف ذلك على بيان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله كان من الدّور الباطل، وهو ظاهر.
على أنّ ما ورد به النّقل من كلام الصّحابة، مع قطع النّظر عن طرقه لا يخلو عن الاختلاف فيما بين الصّحابة أنفسهم، بل عن الاختلاف فيما نقل عن الواحد منهم، على ما لا يخفى على المتتبّع المتأمّل في أخبارهم.
والقول بأنّ الواجب حينئذ أن يختاروا أحد الأقوال المختلفة المنقولة عنهم في الآية، ويجتنب عن خرق إجماعهم، والخروج عن جماعتهم، مردود، بأنّهم أنفسهم لم يسلكوا هذا الطّريق، ولم يستلزموا هذا المنهج، ولم يبالوا بالخلاف فيما بينهم، فكيف يجب على غيرهم أن يقفوا على ما قالوا به، ولم يختصّوا بحجّيّة قولهم على غيرهم، ولا بتحريم الخلاف على غيرهم دونهم.
على أنّ هذا الطّريق وهو الاقتصار على ما نقل من مفسّري صدر الإسلام من الصّحابة والتّابعين في معاني الآيات القرآنيّة، يوجب توقّف العلم في سيره، وبطلان البحث في أثره، كما هو مشهود في ما بأيدينا من كلمات الأوائل، والكتب المؤلّفة في التّفسير في القرون الأولى من الإسلام، ولم ينقل منهم في التّفسير إلّا معان ساذجة بسيطة خالية عن تعمّق البحث وتدقيق النّظر، فأين ما